نشر في: 24 تشرين2 2012
الزيارات:    
| طباعة |

ضرب الأبناء: أسهل الحلول وأسوأ النتائج

كتبت لنا فريهان الحسن:

العدالة الراديكالية- في كل مرة تلجأ فيها سحر إلى تأديب ابنها محمد (تسعة أعوام) عن طريق ضربه لعدم قيامه بواجباته المدرسية بشكل جيد، أو لاقترافه سلوكا غير مناسب، تشعر بالندم الشديد، لتعود لمصلحته من جديد.

تقول سحر "أفقد أعصابي عند اقتراف طفلي خطأ سبق لي أن حذرته من عدم تكراره، ما يجعلني ألجأ إلى صفعه بيدي ومعاقبته"، مستدركة أن هذا الأمر زاد في عناد طفلها، وفي تكراره السلوكيات الخاطئة ذاتها.

سحر واحدة من أمهات وآباء يلجأون إلى الضرب أحيانا كنوع من العقاب لأبنائهم، معتقدين أن التأديب الجسدي هو الرادع الوحيد للطفل عن السلوك الخاطئ الذي يرتكبه.

غير أن اختصاصي الطب النفسي د. محمد الحباشنة يؤكد أن التأديب الجسدي "لا يحترم الحقوق الانسانية للأطفال"، مبينا "أن الضرب أسهل الحلول بأسوأ النتائج، والتربية المثالية والعلمية هي الحل الاستراتيجي الصعب بأفضل النتائج".

المشهد يتكرر مع محمود الأب لثلاثة أطفال، إذ يبين أن هناك حالات كثيرة يفقد فيها أعصابه، مضطرا إلى ضرب أحد أطفاله الذي لم يقم بكتابة واجباته المدرسية مثلا، أو لم يستمع لكلامه أو كلام والدته، أو ارتكب سلوكا خاطئا.

ويعترف محمود أن أسلوب ضرب الأبناء "لا يجدي"، مبينا أن تكرار السلوك الخاطئ من طفله يدفعه إلى ضربه "لكنني أشعر بعدها بندم شديد".

وفي دراسة وردت في تقرير صادر العام 2004 عن المجلس الوطني لشؤون الأسرة، حول ممارسات تأديب الأطفال بين الأهل، تبين أن 10% من الأمهات ينتهجن أساليب إيجابية في تربية الأطفال، في حين اعترفت 30% أنهن يصرخن على أطفالهن، وقالت 45% إنهن يصفعن أطفالهن ليقوّمن سلوكهم.

وأفادت السجلات الرسمية أن الإساءة البدنية الشديدة شائعة بين الآباء، وبين الأطفال دون سن 12 عاما، والفتيان هم أكثر عرضة للضرب كعقاب على السلوكيات المشاكسة، وما بين سن 12-18 تصبح الفتيات أكثر عرضة للإساءة البدنية كونهن يصبحن عرضة للتأديب من أهلهن.

المنظمات الحكومية وغير الحكومية أعطت أولوية كبيرة لحقوق الطفل في محاولة لتقليل جميع أشكال العنف الذي يتعرض له الطفل.

مديرة مركز الملكة رانيا للأسرة والطفل في مؤسسة نهر الاردن سامية بشارة تبين أن "خط الدعم الأسري" المجاني ساهم في رفع مستوى الوعي لدى الطفل.

وتبين أن الخط استقبل حالات عديدة من الأطفال الذين يتعرضون للعنف بأشكاله كافة، وفي حالات كثيرة يتطلب الأمر ابلاغ ادارة حماية الأسرة، لمتابعة الموضوع بشكل مباشر.

وتشير إلى أن هذا الخط يقدم أيضا استشارات ونصائح للطفل في كيفية حماية نفسه، ويتم تحويل الحالة إلى متخصصين لمتابعتها وتحويلها (إن تطلب الأمر) للجهات المسؤولة، كما تتم مساعدة الأطفال في حل المشكلات التي يتعرضون لها.

واستقبل خط الدعم الأسري مكالمات حقيقية في العام 2008 زادت على 2584 مكالمة، منها 979 مكالمة من أطفال، و1286 مكالمة من بالغين، فيما تم استقبال 1886 مكالمة خلال أول خمسة أشهر من العام الحالي.

وبحسب احصائية صدرت عن إدارة حماية الأسرة في ورقة عمل قدمت للمؤتمر العربي الثاني لحماية الأسرة في بداية العام 2009، تبين أن عدد الأطفال الذين تعرضوا للاعتداءات الجسدية من العام 2003-2008، بلغ1291 حالة.

الاختصاصية التربوية رولا أبو بكر تؤكد أن الضرب "مرفوض تماما" لما له من نتائج سلبية، مبينة أن هناك طرقا وأساليب تربوية عدة يمكن للأهل اللجوء إليها لردع الطفل عن السلوك السلبي.

الحل الذي تراه أبو بكر يكمن في ضرورة التعامل مع الطفل وكأنه شخص كبير، ومحاولة فتح باب الحوار معه لتفهم الأسباب التي دفعته إلى ارتكاب سلوك ما، مبينة أن على الأهل تفهم أبنائهم والتعامل بأسلوب المدح والمكافأة عند عدم تكرار السلوك الخاطئ.

الحباشنة يبين أن معظم الدراسات العالمية والمحلية أكدت أن الدافع وراء الاساءة الجسدية هو عقوبة بهدف التربية وخارجة عن سيطرة الآباء بسبب ضعف (المهارات الوالدية). ويذهب إلى أن اتباع أسلوب العقوبة الجسدية كأسلوب تربوي، يدفع الآباء إلى تصعيد العقوبة للحصول على نتائج، "وهذا مآله الأكيد الاساءة الجسدية العنيفة والوخيمة الأضرار".

وتوافق أبو بكر على أن الضرب يؤذي مشاعر الطفل ويزيد من عناده وتكراره للخطأ، لافتة إلى ضرورة استخدام لغة الحوار الذي يشعر الطفل أنه كبير وصديق لوالدته ووالده، وهذا الأمر يدفعه إلى أن يقول لوالديه ما يحصل معه باستمرار.

الحباشنة يبين أن تصرفات الأطفال وأحكامهم تصبح مرتبطة بالخوف من الكشف والعقوبة أكثر من ارتباطها بالأخلاق والمثل العليا الذاتية، مشيرا إلى أن الضرب يشجع الطفل على تعلم كيف يتجنب العقوبة أكثر من تعليمه على السلوك الأفضل.

والنتيجة التي يراها الحباشنة هي انخفاض مدى التطور الذهني والمعرفة لدى الأطفال المتعرضين للعقوبة الجسدية، وضعف أدائهم المدرسي، كما يقل التواصل اللفظي بين الآباء المتبنين لهذه الطريقة وأبنائهم، إذ لا تقدم تفسيرات منطقية للتعامل مع السلوكيات المختلفة الذي بدوره يحبط التفاعل الذهني في مرحلة حرجة من التطور.

ويميل الأبناء المعاقبون جسديا، بحسب الحباشنة، لتثبيت حالة من الخوف من الآباء وتجنبهم، والطفل في هذه المرحلة بحاجة ماسة للارتباط والثقة مع العالم، فليس من الممكن تكوينها إن لم يطورها مع الأب أو الأم.

مركز الملكة رانيا كثف من حملات التوعية للأهالي والأطفال في المحافظات كافة، وهي حملات تناولت الطريقة الصحيحة للتعامل مع الطفل في مراحله العمرية المختلفة، وبدائل العقاب، وكيفية ادارة الغضب، والطرق الصحيحة للتواصل مع الأطفال المراهقين والتعامل معهم، فضلا عن الطرق التوعوية للأهالي، والوسائل التي تقلل من الاساءة للطفل.

وتلفت بشارة إلى أن هناك دورات متخصصة للأمهات والآباء شهدت نجاحا كبيرا، مبينة أن هذا العام شهد ازديادا في عدد حملات المؤسسة التي تستهدف المحافظات، واللجان المحلية التي يعمل المركز على رفع نسبة كفاءتها لتقوم بدورهم الإيجابي في توعية الأهالي، مشيرة إلى أن التركيز كان على المناطق الأقل حظا من خلال حملات توعوية مكثفة للأهالي والأطفال والعاملين.

وتبين أن العام الحالي شهد تدريب وتوعية أكثر من 4000 أب وأم، وأكثر من 8000 طفل، فضلا عن تدريب أكثر من 1900 مهني وعامل في القطاعات المختلفة، ليقوموا بدورهم في تدريب الأهالي والأطفال وتوعيتهم.

وتلفت إلى أن هناك مستفيدين غير مباشرين من هذه الحملات، فالأب الذي يأخذ دورة توعوية في كيفية التعامل مع طفله، سينعكس على أبنائه الستة، مبينة أن هناك أكثر من 26 ألف استفادة غير مباشرة.

ابو بكر ترى أن "كرسي التفكير" هو الحل المناسب للطفل الذي يرتكب خطأ ما، يتمثل في جلوسه عليه والتفكير بالخطأ الذي ارتكبه، مبينة أن النظام والقاعدة التي تستند اليها العائلة في التربية يحددان مدى انضباط الطفل.

وتبين أن الاهتمام والمدح والحب والتقدير للطفل تسعده، فضلا عن أهمية تفسير السلوك الخاطئ الذي ارتكبه الطفل والجلوس معه ومناقشته به، حتى لا يعاود تكراره.

وتشير إلى أن الطفل يمر بمراحل مختلفة، لهذا من الطبيعي أن يقوم بسلوكيات مختلفة، وعلى الأهل مشاركة أبنائهم مراحل نموهم المختلفة وتفهم احتياجاتهم من دون الضغط عليهم.

وتذهب إلى ضرورة وجود تحذير للطفل حتى لا يعاود الخطأ، وليس معاقبته لمجرد ارتكابه الخطأ لأول مرة، إذ يتم تحذيره أنه في حال عاود الخطأ فسوف يعاقب.

وتبين ضرورة أن تكون الأجواء العائلية داخل المنزل مريحة وتخلو من التوترات والمشاكل التي تؤثر على الطفل وسلوكياته، وتركز على أهمية مشاركة الطفل في الرأي.

تأثير العقوبة الجسدية على الطفل

- الرغبة بالانتقام من الآباء وهذا يظهر جليا عندما يكبرون
- انخفاض قيمة الذات والثقة بالنفس نتيجة للإهانات المتكررة
- يجعل الأطفال يُظهرون ندما أقل باتجاه سلوكهم السيئ
- يصبحون أقل رغبة وقدرة على تحمل مسؤولية أفعالهم
- تظهر لديهم حالة من الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الأزمة
- اللجوء إلى الكذب والتحايل كدفاعات نفسية في المواقف المختلفة
- شعور الطفل بالغضب والإيذاء الشديديْن بعد العقوبة يجعله في حالة وجدانية مشحونة لا يستطيع خلالها تثبيت أو استذكار السبب من وراء العقوبة
- الأطفال يتعلمون بالنمذجة أن الضرب مسموح إذا كنت الأكبر أو الأقوى أو في موقع السلطة أو حتى إذا فقدت السيطرة
- زيادة نسبة الإيذاء للزملاء في المدرسة وربما في العمل، وللزوجة وللأبناء في حال تكوين عائلة
- العزلة الاجتماعية، وزيادة معدل التعرض للحوادث.


مقترحات علمية لتربية خالية من العنف

- تفهم وجهة نظر الطفل
- التثقيف بمراحل التطور الطبيعية
- التثقيف بالوسائل الفعالة للتواصل مع الطفل
- تعزيز السلوك الإيجابي للطفل
- تطوير المهارات لمنع اختلاف الآباء والأبناء
- التعرف على مصادر الغضب وأساليب السيطرة عليها
- تقليل الضغوطات الشخصية والعائلية
- تنظيم المحيط البيئي لضمان سلامة الطفل
- تعزيز السلوك المحب
- تحضير الطفل للمراحل الانتقالية
- التخطيط المسبق مع الطفل لمواجهة التحديات الحياتية
- احترام رغبات الطفل بالتطور والاستقلال، والأخذ بعين الاعتبار وجهة نظره.



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق