نشر في: 08 تشرين1 2014
الزيارات:    
| طباعة |

المادة (128) من دستور 2011 واشكاليات التطبيق

العدالة الراديكالية - كثر الحديث حول اشكاليات تطبيق حكم المادة (128) بفقرتها الثانية من الدستور بصيغتها المعدلة بموجب تعديل 1/10/2011 والتي نصت على ما يلي (أن جميع القوانين والانظمة وسائر الاعمال التشريعية المعمول بها في الممكلة الاردنية الهاشمية عند نفاذ هذا الدستور تبقى نافذه الى ان تلغى او تعدل بتشريع يصدر بمقتضاه وذلك خلال مدة اقصاها ثلاث سنوات.

وقد اثار هذا النص في قراءته الاولى لدى المحامين والقضاه والقانونيين والشراح العديد من التساؤلات حول مصير كافة التشريعات والانظمة النافذه وذلك بنهاية المدة المشار اليه في ذيل النص وهي الثلاث سنوات والتي انتهت في 30/9/2014 وذلك عطفاً على حكم المادة (37) من الدستور المعدل (دستور 2011) التي نصت على نفاذ التعديلات اعتباراً من تاريخ نشرها في الجريدة الرسمية والتي نشرت في عدد الجريدة الرسمية رقم (5117) تاريخ 1/10/2011.


فثمة رأي يذهب الى اعتبار المدة المشار اليها في (128) من الدستور مدة سقوط يترتب عليها وقف العمل بجميع التشريعات والانظمة التي لم تعدل أو تلغى خلال تلك المدة بما فيها القوانين والانظمة الدائمة التي مرت بقنواتها الدستورية واصبحت نافذة المفعول منذ نشأة المملكة الاردنية الهاشمية، الامر الذي يجعل -ووفقاً لهذا الرأي- ان ثمة كارثة تشريعية قد تؤدي الى فراع تشريعي في كافة التشريعات ذات الصلة التي تنظم جميع مناحي الحياة في الاردن.

وبتقديرنا ان هذا الرأي يجانب الصواب ولا يمكن التأسيس او البناء عليه –مع احترامنا للمنادين به– وذلك بالنظر الى القواعد العامة في فهم طبيعة المواعيد التي يترتب على مخالفتها اثراً اجرائياً او جزاء اجرائياً.

فالمواعيد طبقاً للقواعد العامه تنقسم الى انواع ثلاثه: 

1- مواعيد تقادم وهي تلك المواعيد التي يشترط المشرع ان يتم الاجراء خلالها وتحسب من اليوم التالي لتاريخ الحق وتنقضي بانتهاء اليوم الاخير الذي يتوجب ان يتم اتخاذ الاجراء خلاله.
2- ومواعيد السقوط وهي غالباً ما تكون مرتبطة بالنظام العام ويسقط الحق فيها عند تجاوز الميعاد المحدد والمنصوص عليه شريطة النص على مثل هذا الجزاء– كتقديم الطعن خارج المعياد المحدد لتقديمه او تقديم الدفوع الشكيلة او اللائحة الجوابية خارج المدة المنصوص عليها في المادة (59) من قانون اصول المحاكمات المدنية مثلاً-.

3- والمواعيد التنظيمة وهي تلك التي لم يرتب المشرع جزاءاً اجرائياً على مخالفتها وانما جاء النص عليها لغايات تنظيمة بحته تقضتي مراعاتها كلما امكن ذلك -كمواعيد تأجيل الدعوى مثلاُ-. 

وعليه وطبقاً لما تقدم فان فكرة الجزاء القانوني ترتبط بمدى قوة القاعدة القانونية وعظم المسألة التي تنظمها ويأتي الجزاء القانوني وسيلة من قبل المشرع لحث المخاطبين بالنص القانوني على ضرورة مراعاة أحكامه والامتثال لها تحت طائلة الجزاء الذي يتخذ في ظل نصوص القانون المدني والقانون الإجرائي -صورتي السقوط أو التقادم-. 

ففي القانوني المدني ينظم المشرع الغالبية العظمى من الحقوق المدنية التي تثبت للأفراد ومصادرها وأحكامها وطرق التعبير عنها ووسائل حمايتها، ومرد ذلك أن المشرع لم يشأ أن يترك هذه الحقوق مثار تهديد لاستقرار المعاملات وثبات المراكز القانونية، وحدد ممارسة هذه الحقوق بميعاد زمني ثابت، ورتب على زوال أو انقضاء هذا الميعاد دون ممارسة صاحب الحق لحقه سقوط هذا الحق.

ومن الأمثلة الرئيسية بهذا المجال حق الفرد بالمطالبة بحماية حق أو مركزه القانوني إذ حددت نصوص القانون المدني الأردني مواعيد ينقضي بانقضائها حق الفرد بمطالبة الحماية القضائية فلا تعود الدعوى مسموعة بخصوصها بانقضاء تلك المواعيد ومن ذلك انقضاء حقوق المحامين والمهندسين والأطباء مثلاً بانقضاء خمس سنوات على نشوءها.

فإذا ما أقيمت الدعوى من الطبيب للمطالبة بأجور عن عمله المهني بعد ست سنوات على نشوء ذلك الحق كانت عرضه للدفع بعدم قبولها من خصمه لعلة مرور الزمان المانع من سماعها، وهي ما يطلق عليها فقهاً وقانوناً بمواعيد التقادم.

.وبهذا تتحول الحقوق بانقضاء تلك المواعيد إلى حقوق طبيعية تفقد حماية القضاء القانوني 

أما مواعيد السقوط فيترتب على انقضائها انقضاء الحق المربوط بذلك الميعاد وانقضاء الحق هنا يعني سقوطه ولهذا سميت هذه المواعيد بمواعيد السقوط كسقوط حق الطاعن بالطعن إذا لم يقدم طعنه خلال الميعاد القانوني، وبطلان القوانين المؤقته التي صدرت في غيبة مجلس النواب ولم تعرض عليه في اول اجتماع يعقده للبت فيها خلال اول دورتيين عاديتيين متتاليتن (المادة 94/1) من الدستور.

وقد أشار الفقه القانوني أن السقوط كجزاء إجرائي يمكن أن يتحقق بإحدى حالتين هما: 

الحالة الأولى: إذا كان القانون قد اعترف للفرد بحقوق متعددة ثم أوجب ترتيباً معيناً لهذه الحقوق، فإن مخالفة الشخص لهذا الترتيب يوجب السقوط، ومن ذلك ترتيب المشرع للدفوع ولحق الخصم باستعمالها إذ أوجب ضرورة ممارسة الخصم لحقه بالدفوع الشكلية قبل التطرق لما عداها من دفوع فإن لم يبدها سقط حقه فيها كما سقط حقه فيما لم يبد منها في حينه.

الحالة الثانية: إذا حدد المشرع لممارسة الإجراء ميعاد معين وخالف الشخص هذا الميعاد كميعاد الطعن في الأحكام الصلحية والطلبات المستعجلة والأحكام البدائية، فإذا انقضت هذه المدة دون ممارسة الطاعن لحقه خلالها سقط حقه فيها.

وثمة اختلاف واضح هنا ما بين مواعيد التقادم ومواعيد السقوط، فالأساس أن مواعيد التقادم تختلف عن مواعيد السقوط، وأن لكل منها صفاته وميزاته فمواعيد التقادم توقف وتنقطع، فيما لا يطال هذا الترتيب –الوقف والانقطاع- مواعيد السقوط التي لا تتأثر بأية ظروف أو عوامل خارجية تلحق صاحب الحق بالميعاد.

آثار مخالفة القواعد الإجرائية

قلنا فيما مضى أن القانون اذا رسم كل هذه التفاصيل الإجرائية لاستعمال الفرد حقه بطلب تدخل القضاء، فإن الإهمال بهذه الإجراءات يعطي للطرف الآخر حق الطعن بها، والذي قد يكون في بعض الأحيان طعن ببطلان الإجراءات التي تمت بصورة مخالفة للأصول، أو طعناً بسقوط حق الخصم بذلك الإجراء عندما يتعلق الأمر بإجراء آخر كان يتوجب القيام به أولاً. 

ومثال الحالة الأولى في قانون أصول المحاكمات المدنية بطلان أوراق التبليغ، كإجراء التبليغ بعد الساعة السابعة مساءً، أو إجراء التبليغ لغير الأشخاص الجائز تبليغهم قانونا أو إجراء التبليغ بصورة مخالفة للشرائط القانونية المرعية. 

ومثال الحالة الثانية سقوط حق الخصم في الدفع الشكلي الذي لم يبديه قبل التكلم في الموضوع، وسقوط الدفع الشكلي الذي لا يبدى مع سائر الدفوع الشكلية الأخرى وفقاً لمقتضيات المادة (109) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي أوجبت على الخصم وقبل التعرض لموضوع الدعوى وخلال المدة المنصوص عليها في المادة (59) من ذات القانون أن يطلب من المحكمة إصدار الحكم بالدفوع التي أوردتها بشرط تقديمها دفعة واحدة وفي طلب مستقل.

ويبقى للخصم حق الطعن بكافة الأوجه المتعلقة بمخالفة الإجراءات الشكلية للأصول التي رسمها القانون، ولا تملك المحكمة التي تنظر النزاع هذا الحق، ما لم يتعلق الدفع بالنظام العام، كبطلان إجراءات التبليغ، أو عدم اختصاص المحكمة في غير أحوال عدم الاختصاص المكاني.

صفوة القول: 

أن الحق الإجرائي كلما ربط بميعاد زمني محدد أو ربط بترتيب معين قصده المشرع ثم انقضى ذلك الميعاد دون اتخاذ الإجراء المعني خلاله أو كلما جرى اعتداء على الترتيب الذي أقره المشرع في ترتيب الحقوق، كلما كان ذلك الحق عرضه للتقادم أو للسقوط. كل ذلك شريطة النص على الجزاء الاجرائي الذي يتوجب على مخالفة تلك المواعيد.

وعودة على نص الفقرة الثانية من المادة (128) من الدستور بصيغتها المعدله بموجب التعديل الصادر سنة 2011، نجد ان المشرع الدستوري لم يضع جزاء اجرائي على مخالفة المعياد المضروب في عجز المادة وهي مدة الثلاث سنوات ليقرر بعدها بطلان تلك التشريعات والانظمة التي لم تعدل او تغلى بتشريع مماثل لها، ام لا، الامر الذي يقودنا وخلافاً لاي قول اخر ان هذا الميعاد هو من المواعيد التنظيمة التي لا يترتب على مخالفتها جزاء اجرائياً.

وان ما يؤيد ما انتهينا اليه في هذه الدراسة هو تلك المداولات التشريعة التي جرت في مجلس النواب السادس عشر والتي تعتبر –اي المداولات– جزء من التشريع– بحسب الاعراف البرلمانية السائدة هذا من جهة.

ومن جهة ثانية فان الحديث فيما مضى بين الاوساط النيابية والحكومية والقانونية كان على تلك القوانين المؤقته التي صدرت في غييبة مجلس النواب ولم تقر او تعرض عليه وفق ما هو منصوص عليه في المادة (94) من الدستور والتي صدر بشأنها قرار المجلس العالي لتفسير الدستور والذي اعتبر في حينه ان المقصود بالقوانين المؤقته المقصودة بحكم المادة (94) من الدستور قبل تعديلها هي تلك القوانين المؤقته التي صدرت بعد تعديل المادة (94) واحيلت على مجلس النواب وليست السابقة على التعديل والتي اعتبرت جميعها –اي القوانين المؤقته– سارية المفعول ولا يسري عليها حكم المادة (94) بموجب التعديل الصادر سنة 2011.

وهذا هو رأينا بشأن الاشكاليات الدائرة حول ما ورد بعجز الفقرة الثانية من المادة (128) من الدستور بصيغتها المعدلة لسنة 2011.
والله من وراء القصد


النائب المحامي الدكتور مصطفى ياغي

رئيس اللجنة القانونية سابقاً 



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق