نشر في: 29 أيلول 2012
الزيارات:    
| طباعة |

حرية الرأي والتعبير في الفضاء الإلكتروني حق إنساني لا مهنة مقننة

المحامي الدكتور عادل عزام سقف الحيط

في حراك تقدمي للدفاع عن حرية الرأي والتعبير عبر الفضاء الإلكتروني، يرتاد الكتاب الإلكترونييون والصحافيون والحقوقيون والنشطاء السياسيون الشرفاء خيمة الاعتصام المفتوح التي ينظمها العاملون في المواقع الإلكترونية، ويعلنون كل يوم على منابرهم رفض العمل بقانون المطبوعات والنشر وتعديلاته العرفية لسنة 2012، التي تهدف إلى فرض رقابة مسبقة على الصحافة الإلكترونية، وقوننة حرية الرأي والتعبير في إطار عمل مهني خاص يحرم عموم المواطنين من التمتع بهذا الحق.

وفي لقائي الأخير بالرفاق المجتمعين لاحظت تساؤل البعض حول إمكانية تشكيل نقابة للعاملين في الإعلام الإلكتروني، وتبني هذا الطرح كاستراتيجية في الأشهر القادمة. وأرى خطورة تبني هذا الطرح لأنه يحوّل بوصلة المواجهة، فبدلاً من النظر إلى مشكلة تقييد النشر الإلكتروني بصفتها اعتداء على حرية الرأي والتعبير لكل مواطن، يتم اختزال الجدل حولها وتطويعها إلى مشكلة "مهنية" تحتاج إلى تنظيم نقابي. فما هي أهم إشكالات هذا التحول لو تم؟

أولاً: تضارب المصالح القانونية في الانتساب للنقابات المهنية:

إن السعي وراء تشكيل نقابة للعاملين في الإعلام الإلكتروني يعني استبعاد نقابيين آخرين من الانتماء إلى هذه النقابة.

فمثلاً مزاولة مهنة المحاماة حق محصور بالمحامين المسجلين في النقابة - دون غيرهم - ولا يجوز لغير المحامين المسجّلين أن يمارسوا عمل المحامي أو يتقصدوا منها الكسب، وفقاً لأحكام المادة (38) من قانون نقابة المحامين النظاميين وتعديلاته رقم 11 لسنة 1972. ووفقاً للمادة (11) من نفس القانون لا يجوز الجمع بين المحاماة والوظائف العامة أو الخاصة، الدائمة والمؤقتة، براتب أو مكافأة؛ ويحظر على المحامي ممارسة التجارة، أو جميع الأعمال التي تتنافى مع استقلال المحامي. وقد أورد المشرع في الفقرة الثانية من نفس المادة أنه لا تسري أحكام هذه المادة على الاشتغال بالصحافة الحقوقية والثقافية. القانون لم يذكر حكم الانتساب للنقابات الأخرى واكتفى بذكر "الوظائف الخاصة" و"جميع الأعمال التي تتنافى مع استقلال المحامي"، ألا يتنافى الانتساب لنقابة العاملين في الإعلام الإلكتروني مع استقلال المحامي؟

ولعل الأمر أوضح في قوانين نقابات أخرى كنقابة المعلمين، فبوجب المادة (7/ج) من قانون نقابة المعلمين الأردنيين رقم 14 لسنة 2011 يشترط في عضو النقابة أن يكون: "غير منتسب لأي نقابة أخرى". فهل يفيد قضيتنا إقصاء المهنيين والعمال من هذه النقابة المقترحة لتضارب الانتماء النقابي؟

ثانياً: تقييد الانتساب إلى نقابة العاملين في الإعلام الإلكتروني المفترضة بشروط:

سيكون أول الشروط المجحفة أن يكون عضو النقابة متمتعاً بالأهلية المدنية، ومنها السن القانوني، وأن يكون حاصلاً على مؤهل علمي لا يقل عن الثانوية العامة, أو ما يعادلها، أو أكثر من ذلك. وقد يشترط القانون تمتعه بالخبرة في العمل الإعلامي الإلكتروني عوضاً عن الشهادات الأكاديمية. والحقيقة أنّ الكاتب والناشر الإلكتروني قد يكون مثقفاً وغير حاصل على أي مؤهلات، ولا ضرورة موضوعية لاشتراط العمر والشهادات العلمية، إلاّ إذا كان الموقع الإخباري مهنياً متخصصاً، كالموقع الحقوقي أو الطبي أو ما شابه.

وقد يشترط القانون أن يمارَس العمل الإعلامي الإلكتروني في مكان لائق، وقد يشترط حصول العضو النقابي على تراخيص تجارية أو أذونات من دوائر حكومية، فيكون قد قيّد الحرية الإعلامية الإلكترونية بقيود مادية ورسمية لا تختلف شكلاً وموضوعاً عما فرضه المشرّع في التعديلات الأخيرة لقانون المطبوعات والنشر.

والأصل أن حرية الرأي والتعبير حق لجميع المواطنين، عبر كل الوسائل التقليدية والإلكترونية المتاحة، وليست حكراً على طائفة من أصحاب المهن والانتماءات النقابية، فهذا النوع من الحقوق لصيق بذات الإنسان وبمدنيته، لا بعمره أو مكانته العلمية أو العمالية، ولا بقدرته المالية.

ثانياً: مخالفة فكرة نقابة العاملين في الإعلام الإلكتروني لمبدأ حرية النشر الإلكتروني لكل مواطن:

جاء في المادة (15/1) من الدستور الأردني ما يلي: "تكفل الدولة حرية الرأي، ولكل أردني أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط أن لا يتجاوز حدود القانون". وحدود القانون هي جرائم التشهير والاعتداء على كرامة وشرف الناس ونظام المجتمع، وما إلى ذلك من جرائم قنّنها المشرع الأردني في قانوني العقوبات رقم 16 لسنة 1960 والاتصالات رقم 13 لعام 1995، فيكون كل قيد إضافي - لا يحمي مصلحة مشروعة - باطلاً، ويعارض كذلك نص المادة (19/1 و2) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية: "لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة. لكل إنسان حق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها". ويعارض أيضاً أحكام الميثاق العربي لحقوق الإنسان، وخاصة المادة (32). ومن نافلة القول أنّ الأردن دولة طرف في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية, وكذلك الميثاق العربي لحقوق الإنسان؛ وقد تم نشر المعاهدتين في الجريدة الرسمية وبدأ نفاذهما في عامي 2006 و2008 على التوالي.

ويتعارض الطرح مع المادة (128/1) من الدستور والتي أكدت أنّه: "لا يجوز أن تؤثّر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق، أو تمس أساسياتها".

وهو إخلال كذلك بمضمون المادة (6/1) من الدستور والتي تنص على أنّ: "الأردنيون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات"، فعدم امتلاك صاحب المطبوعة الإلكترونية لأجور التراخيص واستئجار مكاتب تجارية وضرائب وغيرها سيؤدي إلى عدم قدرته على التعبير عن رأيه، وهو تمييز بين الأردنيين مبني على التفاوت الطبقي والاقتدار المالي، وهو إلحاق لأشكال التعبير عن الرأي بعالم التجارة ورجال الأعمال، وحرمان للأكثرية الكادحة من التعبير عن رأيها وتمثيل نفسها في المجتمع والمساهمة في صنع القرار السياسي.

وخلاصة القول أن الحق في حرية الرأي والتعبير حق طبيعي يرتبط بالإنسان وبتنظيمه المدني في المجتمع الحديث. ويجب أن تحظر كل أشكال السيطرة على المواقع الإلكترونية، أو فرض شروط عمرية أو أكاديمية أو مهنية أو طبقية على ممارسة هذا الحق، باسم القانون أو التنظيمات المهنية، لأن هذا الحق غير قابل للتقييد إلا في نطاق احترامه لأحكام القانون الجزائي وعدم ارتكاب جرائم اعتداء على الآخرين أو النظام العام للمجتمع.

 

* الكاتب حاصل على دكتوراة في القانون الدولي الإنساني

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق