نشر في: 04 أيار 2012
الزيارات:    
| طباعة |

العدالة الاجتماعية مفارقة رهيبة

تعريب محمد سعيد العضب

العدالة الراديكالية - لماذا ظلت البشريه تناضل عبر التاريخ من اجل وهم اطلق عليه " عداله " التي غابت, ولم يمكن تحقيقها مطلقا عبر التاريخ البشري ؟


في هذه المقاله المترجمه , يطرح البروفسور ايجون فلانج المتخصص في التاريخ القديم من جامعه روستوك في المانيا , افكار حول العداله تبدو متشاءمه , حينما حاول عبرها ليس فقط تفنيد وجود مفهوم العداله ,خصوصا عداله التوزيع , بل يري في العداله ذاتها مفارقه غريبه ورهيبه . 


حقا , لايستطيع البشر العيش من دون الامل والترقب في ان الرابطه الاجتماعيه التي تجمعهم ,لابد بمقدار معين ان تحقق لهم امكانيه توجيه واداره نمطا معينا , او شكل و ترتيبا خاصا لعداله معينه . 


فمثل هذه الاماني قد يمكنها ان تنجز وتحقق لمجوعات من الناس قيم في الحياه, لكن ذلك يتم فقط عن طريق الاقهار المستمر من ناحيه ,و استخدام اساليب الحكم والتسلط , او من خلال معسكرات العمل القهري والاباده والمقابر الجماعيه , الرق والعبوديه من ناحيه اخري .


الافكار والتصورات المعروضه في المقاله سعت تجاوز المفهوم التقليدي السائد للعداله , الذي يركز علي اعتبارها " فضيله" او "عمل خير" انساني ,اي انها العداله ضمن هذا المفهوم الضيق مجرد ظاهره "أحسان وطيبه ". 


بلاشك ان منهج المعالجه المطروح هنا يلاقي صعوبات جمه,كما انه يخرج تماما عن توكيدات افلاطون حول " الفضيله" البشريه , التي برزت بجلاء في كتابه الموسوم ( الدوله الدستويه ) ( للعلم حرر هذا الكتاب في عام 370 قبل الميلاد , واسماه الدوله او الدوله الدستوريه ).


من هنا تم التركيز في هذه المقاله علي مفهوم خاص للعداله يتمحور في انها مجرد لحظه تنظيميه لعلاقات افراد .


شكلت نقطه انطلاق تحليل الموضوع هذا من مقوله عمانوئيل كانط التي وردت في كتابه "ميتافيزيقيا الاخلاق",حينما قال" حينما تغيب العداله , تتلاشي قيمه استمرار او ديمومه الانسان علي الارض , بذات الوقت استخدمت تصورات دوستويفسكي حول العداله التي بدورها اكدت علي استحاله خلق او انتاج العداله سواء علي الارض او حتي في امبراطوريه الخلود وشكلت هي ايضا تملص من المازق الفكري حول العداله . 


عليه تعتبر هذه المداخلات الايجابيه او السلبيه لتحديد مدي تواجد العداله من عدمه معطيات تشكل ليس فقط مفارقه وتناقض,بل ايضا امرا رهيبا ومخيفا . استخلصت هذه المفارقه هذه من خلال خمس مقولات او اطروحات هي: 


(1)
تصب جميع اصناف عداله التوزيع في نهايه المطاف في الغاء الديمقراطيه و انكار الحريه السياسيه . فالغاء الديمقراطيه من ناحيه وانكار الحريه السياسيه يشكلان تبعات حتميه لنظريه العداله وتبرز بوضوح بما يلي : الغي افلاطون الاستقلاليه السياسيه تماما في كتابه " الدوله الدستوريه " , حينما اكد باصرار علي خلق العداله فقط ,بالتالي اختفي من كتابه مجمل المجال والحيز السياسي. المطلوب . تابع التوجه او التصور ذاته جون راوؤل , حينما اكد عبر نظريته بخصوص العداله علي مقوله او مطلب "حق صوت غير متساوي لمواطن غير متكافئ"


ففي اطار مثل هذا المقياس يصبح حق "الصوت المرجح" حسابيا قضيه عادله, بلاخص حينما يتمتع بعض افراد المجتمع بمزايا معينه : الحكمه., التفوق اوالقدره الجيده علي اتخاذ القرارات, حسم الامور في الزمان والمكان المناسب . عليه تظل فئات واسعه في المجتمع تعاني من الغبن السياسي ,وان يحدث ذلك تحت رايات العداله . في نهايه المطاف يعني ذلك من دون شك... تقويض الديمقراطيه او انعدامها نهائيا .
من هنا يلاحظ ان افكار جون راؤول التقت مع افلاطون بخصوص الغاء الديمقراطيه . عليه تصبح عداله التوزيع " وهم" مطلق اوربما "خيال" مطلق, يمكن استشفافه بوضوح من توكيدات" برامج راوؤل", الذي زعم فيه علي ان النظام الاجتماعي بذاته قد يمكنه ايضا تطويع قوانين الطبيعيه والتحكم بها .

اي بكلمات اخري قد تم عبر افكاره المتطرفه هذه الغاء حاله اللاعداله في الطبيعه التي تعتبر من الضرورات الحتميه .

فمثل هذا الهدف او المسعي يعني ليس فقط امرا غربيا, بل يعتبر قضيه مستحيله , حيث ينهار المجتمع في نهايه المطاف , حينما يحاول اعضاءه الغاء لا عداله الطبيعه. 


(2)

" تستند العداله علي متعادلات اومتكافئات . يخضع فعل الشر فقط" حصرا للعقاب او للكفاره , حينما يمكن موائمه وتكييف الافعال غير القانونيه , من هنا تعتبر موائمه او تكيف احكام العقوبات ا والكفارة من اهم معضلات الوصول , او استهداف حقيقي للعداله, خصوصا ,ان الموائمه المثاليه او التكيف القضائي والشرعي, يشكل بحد ذاته عداله مطلقه. ضمن هذا السياق عبر كانط عن ذلك بما يلي :


" ان كافه اشكال ودرجات العقاب, كافه المبادي والاحكام التي تعتمدها العداله العامه تصب جمعيها في مضمون او مبادئ العداله.


عليه تتجلي مثاليه العداله الشرعيه الوحيده المصاغه ,حسب توكيدات عمانوئيل كانط, في حق الرد والانتقام.

فالتعويض هذا اطلق عليه " العين بالعين والسن بالسن " فهذا التعويض او "التاليو" يعني في كتاب الوصايا القديم ان "الغني لايمكنه ان يدفع فديه عن جرم اقترفه في قلع عين فقير, او في محاولته شراء بالمال, جريمه قتله فقير . من هنا تصبح عمليه التعويض بالمال او شراء المعاناه الناجمه عن عمل شر او انتهاك حق , احتقار حقيقي لمضمون العداله, من هنا لابد ان تتم مساوا ه او تحقيق تكافئ حقيقي بين فعل الشر وكفاره المعاناه, غيره تظل العداله غير قائمه .


لهذا اكد كانط علي حتميه قانون العقوبات, بشرط ان تكون نصوصه امور قاطعه.

فهذه الفكره لم ترد لدي كانط اعتباطا . فالمصلح الكبير المدعو كونيج برجر قد دافع عن عقوبه الاعدام للمجرم القاتل, حينما اضاف ان العداله الحقه لا تحتاج الي وكيل او وسيط او بديل .


ان عقوبه الاعدام تخلق المساواه بين عمل الشر والمعاناه الناجمه عنه . رغم ذلك وباسم حقوق الانسان تصاعدت منذ زمن طويل, مطالب الغاء هذه العقوبه , سواء في عهد بيزنطه القرون الوسطي او في روسيا الجديده . 


ان الغاء حكم الاعدام علي قاتل يعرقل بلاشك تنفيذ العداله الحقه .هذا بدوره يعني ان العناصر الاساسيه للمفاهيم الانسانيه السائده منذ قرن من الزمن تتعارض كليا مع العداله . 


فالذي يشعر بالانسانيه بابتذال او يؤمن بها اعتباطا , عليه ان لا يجعل من العداله منطلقه, او قاعده يستند عليها في الحياه.

 
فاديولوجيه تقرير المصير تؤثر مبدئيا بشكل سلبي او معاكس علي العداله . فعندما تطالب مثلا اقليه في يومنا الحاضر بالاعتراف بها , فلابد ان يقصد زعماءها وجوب تمتع اقليته بخصوصيات وامتيازات مختلفه, اي بكلمات اخري, يهدف منه الحصول علي معامله خاصه ومميزه , بالتالي كما معروف .. ان اي معامله خاصه او تميزيه, لابد ان تتعارض كليا مع المساواه, بذات الوقت تنشأ حاله لاعداله.

 
(3)
تواجه كافه اشكال العداله تحديات ,حيث يمكن ليس فقط الطعن بها,بل ان جميع متعادلاتها هي ايضا مشكوك فيها .فالعين بالعين تبدو "عداله مطلقه" لانها متساويه مطلقه ,لكنها غير موجوده ميدانيا او متوفره في عالم الواقع ,لهذا استمرت المجموعات البشريه سواء كانت علي شكل مجتمعات او دول تناضل من اجل العداله, كما لم يتوقف هذا الكفاح من اجلها بتاتا .

علما ان مثل هذه المتساويات تستند علي اتفاقات من صنع الانسان وتخضع لتصرفات البشر.

لهذا ليس من الصعوبه في دحضها , او الغاء هذه الاتفاقات ,او الادعاء بانها نظمت لخدمه الاقوياء . هذا ويمكن تجاوز, اواهمال رموز متساويات العداله ,ا واركان صيرورتها من جميع افراد المجموعات البشريه سواء كان الفرد متعلما او جاهلا, فكلما كان المجتمع تعدديا ازدات المجموعات المعارضه للاتفاقات التي تستند عليها متساويات العداله .لذا يظل الجميع في دوامه من اجل اعادة النظر في هذه المتعادلات , كما تستمر البشريه في القيام بذلك لغايه الوصول ليوم معهود من الامان والهدوء والطمأنينه وظهور موسسات دوليه وجمهوريه عالميه كما تلك التي روج لها كانط.


(4)
تتجلي الكارثه الكبري في تصورات ضروره تحقيق عداله لما يطلق عليه "عداله بين الاجيال", اي بكلمات اخري تحميل اجيال حاضره مسوؤليه جر ائم او اعمال شريره اقترفها اسلافهم.


لنتصور ان تقوم الاجيال الحاضره في تعويض ضحايا الرق والعبوديه. مما يحتم ان يدفع المستعبدون تعويضات ضخمه تفوق البلايين الدولارات لافراد عبيد ومن اثنيات مختلفه سكنت الساحل الافريقي ( الطوارق ,اليوربا , الفولبا , الهوسا والاشتاني ) التي تجاوزت اعدادها (50 )لمليون خلال فتره امتدت 1200 عاما . 


السؤال المطروح ... لماذا يجب تحميل اجيال حاضره عن اعمال استعباد اثنيات , وشعوب اخري, قام بها اجدادهم وحصلت في عهد اجيال ماضيه وسحيقه ؟


لمن يتم دفع التعويضات ؟ حيث ينحدر معظم احفاد العبيد في اميركا, من اقليات اثنيه قامت هي بدورها في الصيد العبودي وممارسه اعمال الرق و لفئات اخري من جنسها .كما تم لقاء القبض علي كثيرون في مصائد العبوديه سواء لسؤء حظهم او او لنزعات وعدوات بين القبائل والعشائر من اثنيات متعددة نمت بينها عداوات مستديمه : عليه يبدو ان ضحايا الرق , هم ايضا بذات الوقت جناة.


هل ينبغي تعويض الاحفاد ؟ كيف يمكن معرفه الضحيه الحقيقيه لمثل هذه العبوديه التي حصلت حوالي عام 1730؟ 


ان محاوله خلق العداله في هذا المضمار تقود او ربما تؤدي الي نتائج غربيه, ا وتترتب عنها , ونتيجه لها دفع تعويضات ومكافئات بملايين المرات لاحفاد جناه عبوديه لم يحالفهم الحظ السعيد في تبرئه اثام غيرهم . من يتحمل كلفه هذه التعويضات ؟ هل يتم التعويض علي حساب اناس ابرياء لا تتحمل مسوؤليه اعمال اجراميه قام بها اجدادهم؟ 


ان مجرد التفكير بمثل هذه التصورات يخلق حقا ليس بلبه فكريه بل دوار وصداع . من هنا يصعب انتاج " عداله" تتمحور فقط في صيغه خطابيه وتراتيل لغويه لاغيره , ولاكبر جرائم حصلت في تاريخ البشريه, هي الرق والعبوديه والاباده الجماعيه .


(5)
حسبما طرحه مفكر العداله الراديكالي دوستوفسكي في روايته الرائده " الاخوان كاراماسوف "ان الخالق ذاته يعجز هو ايضا في خلق او توفير العداله .

فمن خلال محادثه استفزازيه خاطفه حاول ايفان الكافر والملحد حشر اخيه المتدين جدا اليوشا في حيره بائسه, حينما قال له ان الله الذي خلق الكون ليس فقط لم يعويض عن عذاب طفل صغير عمره 8 اعوام ,حينما ترك حامل الدروع الكلب ينهشه ,ويمزق اوصاله امام اعين امه و الجميع , بل ظلت عذابات الطفل من دون عقاب او كفاره . 


من اللاعقاب هذا ,استخلص ايفان نتائج رهيبه , تجلت في حقيقه مفادها " هكذا ستظل جموع الفداء من البشريه تنشد "انك العادل, يا رب"

 
لقد اعترض ايفان كارامسوف منذ البدايه علي هذا الدعوات , وقال لاخيه اليوشا المرشح لمنصب القساوسه "انني لا ارغب ان تقوم الام بحضن طفلها المعذب ؟ كيف تتطاول او تجرا في ان تغفر له ؟ فان رغبت, فيمكنها فقط العفو عن نفسها , ولربما من اجل الترويح عن عذاباتها ا والغفران لذاتها ؟ لكنها بذات الوقت, وعبر ذلك قد يمكنها تجاوز محنتها, اوتناسي عذابات الطفل الذي مزق اوصاله الكلب.


لكن سيظل الطفل لا يغفر لاحد عما اصابه من جور وعذاب .من هنا ليس لامه اوغيره حق الغفران باسمه او اجباره قبول الغفران.


من هنا اين التناغم بين الجرم والعقاب ؟هل يوجد احدا في العالم يمكنه غفران ذلك ؟ فحينما يعجز الانسان عن الاعتذار والتسامح فلابد ان يتلاشي التناسق والتناغم بين الجرم والكفاره؟

ان تحقيق التناغم بين الجرم والغفران انطلاقا او استنادا لاعتبارات انساسيه,او من منطلق الحب للبشريه , فعليه من الافضل في مثل هذه الحالات بقاء الجميع في عذاب وغضب صامت , وتنكيس ريات الثأر والقصاص ,حتي وان كان علي غير حق .ان تنازل ايفان الكافر من تبعات الخلاص كله ا و انكاره حق القصاص يعني بذات الوقت انكار فظيع للعداله . 


اما في حاله الاقرار بالحق ,فان تنازل ايفان ذاته يعني هو ايضا الابتعاد عن كافه اشكال الخلاص والفداء , وهي ايضا انكار للعداله عليه لا يوجد نص فلسفي تعمق بهذا الشكل المتطرف لمسلمات العداله . 


مع ذلك يؤكد الكوزموبوليتاني كونجبرجر علي ان البشر عاجزون في العيش من دون عداله ... نحن جمعيا عطشي نحوها, كما سيظل هذا العطش يدفعنا نحو التقدم للامام عبر صحراء التاريخ ليس اربعون عاما قادمه , بل الي الابد ,وحينما يستمر كوكب الارض يوفر الغداء لنا .



ترجمت من الالمانيه ونصها الاصلي كالاتي :

Warum es Gerechtigkeit nicht geben kann 
By Egon Flaig



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق