نشر في: 11 آب/أغسطس 2014
الزيارات:    
| طباعة |

حق الدفاع عن النفس بين العدو الصهيوني وقطاع غزة

العدالة الراديكالية - أنس فوزي قاسم

إن طبيعة و حجم المحرقة التي تمارسها إسرائيل ضد أهالي قطاع غزه هي، حسب الادعاء الإسرائيلي، ممارسة لحق الدفاع عن النفس. و يكرر الرئيس الأمريكي، باراك اوباما، ذات الوصف، ويتبعه في ترداد ذات القول وزير خارجيته والعديد من الرؤساء والوزراء الأوروبيين وآخرهم وزير خارجية بريطانيا الجديد، ومع ذلك لم يقم أي منهم في تفكيك هذا الادعاء.

إن وصف ما تقوم به إسرائيل بأنه دفاع عن النفس قول خاطئ في أكثر من جانب. ان الرئيس الأميركي نفسه كان أستاذ قانون وخريج حقوق من جامعة هارفرد لابد وانه على بينة من معنى حق الدفاع عن النفس في القانون. وبموجب قانون ميثاق هيئة الأمم المتحده، والتي كانت الولايات المتحدة من اهم المشاركين في وضعه، فان استخدام القوه في العلاقات الدولية أصبح محرما إلا في حالة الدفاع عن النفس، وعلى ذلك جرت صياغة المادة (51) من الميثاق. ويضيف الميثاق أن أي استخدام للقوه يكون مسموحا به إذا كان استخدام القوه هو في الدفاع عن الوحدة الاقليمية والاستقلال السياسي للدولة المستهدفه حصرا، وعلى ذلك جرت صياغة الماده (2/4) من الميثاق. وهذا يعني ان قيام طائرة حربية لدولة ما بخرق الأجواء لدولة مجاورة، أو عبور بعض جنود دولة في اراضي دولة مجاورة لا يعطي الدولة المجاورة حق استخدام القوة بمقولة أنها تدافع عن نفسها، ذلك ان مثل هذه الخروقات لا تشكل تهديدا للوحدة الاقليميه أو الاستقلال السياسي للدولة المجاورة.

وعلى فرض ان قطاع غزه دوله ذات سيادة ومجاوره لإسرائيل، هل لأي مراقب، دون أن يكون بالضـــرورة خبيرا استراتيجيا او مستشارا في الأسلحة والتسليح، ان يدعي ان الصواريخ التي يطلقها "جيش غزه الوطني" على إسرائيل تهدد استقلالها السياسي او وحدتها الجغرافية؟ انه في علم الجميع ان إسرائيل تعتبر أقوى دولة إقليميه من حيث العديد و التجهيزات، والشكر في ذلك للدعم غير المحدود والمجاني تقريبا الذي تقدمه الولايات المتحده لها. ولا ننسى انها الدولة الوحيدة التي تملك أسلحة نووية في المنطقة وانها ليست طرفا في معاهدة حظر انتشار الاسلحه النووية والتي دخلت حيز التنفيذ في العام 1970، بل ترفض الانضمام لها بإصرار، وبالتالي ترفض رقابة الوكالة الدولية المنبثقة عن هذه المعاهدة. وللعلم فان مجموع الدول الأعضاء في هذه المعاهدة هي (198) دوله وإسرائيل واحده من ثلاث دول ترفض الانضمام لها.

لا شك انه بعد قيام منظمة "القاعدة" بهجومها البربري الإرهابي ضد برجي التجارة الدولية في نيويورك في العام 2001، استصدرت الولايات المتحدة من مجلس الأمن القرار رقم 1368. لقد تضمن ذلك القرار تطورا خطيرا في القانون الدولي مؤداه انه سمح باستخدام القوه ضد الإرهاب، واعتبر ذلك شكلا من أشكال حق الدفاع عن النفس. وراحت الولايات المتحدة تتوسع باستخدام هذا الغطاء القانوني لشن حروبها ضد شعوب العالم الثالث تحت غطاء"محاربة الإرهاب"، وسارعت إسرائيل إلى الاستفادة من هذا التطور الخطير وأصبحت تستخدم تعابير "الإرهاب" و"المخربين" لتبرير اعتداءاتها على الفلسطينيين وعلى المقاومة اللبنانيه على حد سواء.

وحين طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة  في العام 2003 استدراج فتوى قانونية من محكمة العدل الدولية بشأن قيام إسرائيل في بناء جدار الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية المحتلة،  دافعت إسرائيل عن تصرفها بقولها ان ذلك ينسجم مع حق الدفاع عن النفس كما ورد في المادة (51) من الميثاق كما وينسجم مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1368، والقرار المشابه له والصادر برقم 1373. ولابد من التذكير بما قاله سفير إسرائيل في هيئة الأمم المتحدة من ان المنظمة الدولية "اعترفت بحق الدول في استخدام القوه دفاعا عن النفس في محاربة الإرهاب".

لقد رفضت المحكمة الدولية دفاع إسرائيل، اذ قالت ان انطباق المادة (51) يقتصر على قيام دولة باستخدام القوه ضد دولة أخرى، وإسرائيل لا تعزي الهجمات التي تشن عليها تنطلق من دولة أخرى، بل تنطلق من أراض تقع تحت السيطرة الاسرائيليه التامة، وخلصت المحكمة إلى القول "ان المادة (51) من الميثاق لا علاقة لها بهذه الحاله". ومضت المحكمة كذلك بقولها ان قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1368 لا ينطبق على الحالة الماثلة ذلك ان العمليات المشكو منها تأتي أيضا من أراض تسيطر عليها إسرائيل سيطرة تامة، وهي الأراضي الفلسطينية المحتلة.

واذا اخذنا ما قالته المحكمة الدولية في الاعتبار فان ما تردده إسرائيل من أقوال عن حق الدفاع عن النفس، سواء على أساس المادة (51) من الميثاق او على أساس قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1368، هي أقوال لا سند لها في القانون على نحو مطلق. كما ان ذلك يظهر ان دفاع الرئيس الأمريكي وزملائه الأوروبيين لا يقوم على أي قاعدة قانونيه، ولا تبرره مبادئ القانون الدولي التي ساهمت الولايات المتحدة نفسها في صياغتها.

ان قطاع غزه ليس انه "أرضا محتله" فقط، بل انه ايضاً يخضع لحصار خانق منذ ما يزيد عن سبع سنوات. وحين يتصدى القادة الأوروبيون للدفاع عن تصرفات إسرائيل ضد القطاع لا يأتون على ذكر ان القطاع محتل و/ أو انه واقع تحت حصار شديد الخطر، ذلك أنه حصار سبب نقصاً حاداً في الغذاء والدواء ومستلزمات الحياة، وانه حصار يقع من الجو والأرض والبحر. وفوق ذلك، فان المياه الجوفيه في غزه تعاني من نقص شديد ومن ازدياد الملوحة فيها، وبالكاد يحق لأهالي القطاع من التحرك خارج القطاع لأغراض العلاج والتعليم والتواصل مع الأقارب وقيام علاقات عمل مع العالم الخارجي ولا مع الضفة الغربية. وبسبب هذا الحصار الذي يهدد حياة المدنيين في القطاع المحتل، فان ما تقوم به المقاومة الفلسطينية من ردود على دولة الاحتلال هي أعمال مشروعه دفاعاً عن النفس. فالمقاومة الفلسطينية تملك الحق في القانون الدولي في مقاومة الاحتلال لتحرير أرضها وإقامة دولتها، و لها في ذلك حق استخدام كافة أشكال المقاومة.

وفي هذا السياق يجب ان نستذكر ما حصل في مايو/أيار 1967 حين أمرت مصر قوات الطوارئ الدولية بالانسحاب من سيناء، و شنت إسرائيل آنئذ حملة هستيريه من ان مصر فرضت حصارا بحريا عليها، علماً بأن لإسرائيل كامل الشاطئ الفلسطيني من رأس الناقوره حتى غزه، ولا تشكل تجارتها عبر مضائق تيران وميناء ايلات أكثر من 7%. وذهب وزير خارجية إسرائيل، السيد ابا ايبان، الى مجلس الامن الدولي وخاطبه بقوله:

إن الحصار يعتبر حتى قبل مرحلة الميثاق عملاً من أعمال الحرب. أن تُحاصَر، في النهاية، هو محاولة خنق…. ولكي تفهموا كيف شعرت اسرائيل، فان على المرء أن ينظر حول هذه الطاولة ويتصور لو أن دولة أجنبية أغلقت ميناء نيويورك أو مونتريال…. كيف سوف تتصرف حكوماتها…. في القانون وفي التاريخ، فان السلام والحصار لا يمكن أن يتعايشا…..

ولا أظن ان الناطق باسم المقاومة الفلسطينية يحتاج الى اضافات كثيرة لما قاله الوزير ابا ايبان فالحصار عمل عدائي ولا يمكن أن يتعايش مع السلام. ربما لابد من اضافة ذات مغــــزى خاص وهي أن اسرائيـــــل لم تكن "أرضاً محتلة" بينما قطاع غزة مازال تحت الاحتلال، وأن حصار غزة هو عقوبة جماعية وهذه جريمة تتنــــافى وقواعد القانون الدولي، ومن هنا فان مقاومة هذا الحصار فعل مشروع. كما أنه لا بد من التنويه أن حصار ميناء ايلات لم يكن تهديداً للاستقلال السياسي أو الوحدة الاقليمية لاسرائيل، بينما المقاومة الفلسطينية تسعى الى استرداد وحدتها الاقليمية والحفاظ عليها في وجه التمدد الاستيطاني الذي قطع أوصال الارض المحتلة.

وتنشر اسرائيل على نحو هستيري مقولة أن صواريخ المقاومة تهدد سلامة وأمن سكانها، وهذه مقولة تستخدم من قبل اسرائيل لإدامة وتشديد الحصار على قطاع غزة. ولا بدّ من التنويه أن الدولة التي تود حماية مواطنيها وتغار على سلامتهم عليها أن تتصرف طبقاً لمعايير القانون الدولي. فاذا كانت اسرائيل تطلب الامان والسلامة لمواطنيها عليها أن تتصرف بيدين نظيفتين وتتصرف على هذا الاساس. ولا يستقيم القول أن تحاصر اسرائيل حوالي مليوني انسان حصاراً خانقاً وتطلب بعد ذلك الامن والسلامة، فلا سلام مع الحصار.

واخيراً لابدّ من الاشارة الى أن أحد أهم صفات استخدام القوة دفاعاً عن النفس هو ما يسمى بـــ ” النسبية “،  بمعنى أن الدولة التي تدعي حق الدفاع عن النفس عليها أن تستخدم من القوة ما يتناسب مع القوة المعتدية، أي ما يكفي لرد الهجوم، وأي مبالغة في استخدام القوة في الدفاع تعتبر بحد ذاتها ” عدواناً “. فهل القوة التي استخدمتها اسرائيل في محرقة غزة تتناسب مع القوة ” المعتدية ” التي استخدمتها حركة المقاومة الفلسطينية ؟!.

دون الدخول في مقارنات بين حجم الدمار الذي أوقعته اسرائيل في غزة، وعدد القتلى والجرحى الذين سقطوا في تلك الهجمات مع ما اصاب اسرائيل بالمقابل من أضرار وقتلى وجرحى، يتبين لنا القوة المفرطة التي استخدمتها اسرائيل في ممارسة "حق الدفاع عن النفس" المزعوم. ومع ذلك، ودون اعتبار للمقارنة، فانه، ومنذ عدوان اسرائيل عام 2006 على لبنان، فان اسرائيل ألغت رسمياً مبدأ "النسبية" من عقيدة الجيش الاسرائيلي، وعندما نشر تقرير جولد ستون الذي وضع بعد  العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة في عامي 2008 /2009 ، أظهــــــر على نحو جلـــــّي أن الجــــيش الاسرائيلــــي يتبنى "مبدأ الضاحية"، أي الضاحية الجنوبية من بيروت. ويقوم هذا المبدأ على تدمير البنى التحتية المدنية مثل المدارس والمستشفيات ومحطات توليد الكهرباء وشبكة المياه وشبكة الصرف الصحي، واستهداف المدنيين كذلك لكي تؤلب الجماهير ضد المقاومة وتحدث شرخاً بينهما. اي ان استهداف المدنيين أصبح قاعدة عسكرية ثابتة في العمليات العسكرية الاسرائيلية، وهذا خرق واضح لكل مباديء القانون الدولي منذ نشوء هذا الفرع من القانون.

وهكذا يتضح أن مبدأ النسبية الذي تعارف عليه العالم المتحضر اصبح مهدراً بموجب مبدأ الضاحية الذي ابتكرته دولة المستوطنين في فلسطين.



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق