نشر في: 04 أيار 2014
الزيارات:    
| طباعة |

دراسة تأصيلية لمخاصمة الحكم القضائي وتقرير مسؤولية القاضي الشخصية عنه

العدالة الراديكالية - المحامي الدكتور اشرف سمحان

قبل اسبوع تقريباً عقدت نقابة المحامين الاردنيين ندوة حول موضوع مخاصمة الحكم القضائي وتقرير المسؤولية المدنية عن الخطأ القضائي في حالتي الغش والخطأ الجسيم، صارعت كثيراً لكي يسمح لي بالحديث في ذلك الوقت، وندمت اكثر حين لم تتح لي الفرصة آنذاك لتقديم كل ما في جعبتي من افكار حول هذا الموضوع كتبتها على مزعات من الورق نظراً لضيق الوقت. فوجئت بعد ذلك بالاعلام يتناقل الاخبار حول ادراج نص في مشروع قانون استقلال القضاء يقرر بشكل صريح ولاول مرة في تاريخ المملكة مسؤولية القضاة المدنية عما ينجم عن ممارستهم لاعمال سلطتهم القضائية من اضرار في حالتي الغش والخطأ الجسيم، الا انه اغفل امكانية مخاصمة الحكم القضائي بشكل مباشر من خلال رفع دعوى مبتدأة لابطاله كما هو الحال في المواد (494-500) من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري والمادتين (486-487) من قانون اصول المحاكمات المدنية السوري.

واذا كان لي ان ادلي بدولي في هذا المقام فإنني ورجوعاً الى المزعات الورقية التي ذكرت يمكنني ان ابدي بشأنه اننا وفي المادة (38/ج) من مشروع قانون استقلال القضاء لسنا امام سوى نص واحد منبت الصلة بالكامل عن النظامه القانوني مما يجعلنا بالتالي نصطدم باشكالية عدم تكريس مسؤولية الدولة عن اعمل سلطتها القضائية كمبدأ عام في النظام القانوني الاردني. هذا من ناخية، ومن ناخية أخرى فتواجهنا اشكالية أخرى تتمثل في عدم المزاوجة بين تقرير المسؤولية المدنية الناجمة عن الاضرار التي يسببها الحكم القضائي المبني على غش او خطأ جسيم من ناحية وبين ابطال الحكم القضائي المبني على أي من تلكما الحالتين من ناحية أخرى. مما يعني ان تقرير احد هذين الاثرين يبقى ناقصاً مجتزأً لا يكفي لتقرير المواجهة المتوجبة لحالتي الغش والخطأ الجسيم.

ودعوى مخاصمة الحكم القضائي لابطاله ليست طريقاً خاصاً من طرق الطعن وانما هي دعوى مبتدأة تماماً كتلك المتوجب رفعها لابطال الحكم المنعدم.

كما ويتوجب ربط حالة مخاصمة الحكم القضائي والمسؤولية المدنية عنه بمجموعة من الافكار الراسخة في النظام القانوني وتأصيلها بناء عليها ومن بينها ما يلي:

اولاً: فكرة حجية الحكم القضائي: 

وذلك من خلال القول بان ما يستأهل الحجية المتوجبة لاستقرار المراكز القانونية في المجتمع هو الحكم الصادر في اطار الاجتهاد المعقول والذي يحتمل بطبيعة الحال الخطأ باعتباره سمة في البشر والقضاة منهم يجتهدون فيخطئوا ويصيبوا، مما يتوجب معه ان تحميهم مرفق القضاء من اية تبعة او مسؤولية مترتبة عليه.

ولما كانت طرق الطعن هي الاستثناء الوحيد على حجية الحكم القضائي، والتي يصبح الحكم باستنفادها او تضييعها مبرماً يكتسب قوة الامر المقضي به، فيتوجب تأصيل مخاصمة الحكم القضائي وتقرير المسؤولية عنه بناء على ذلك من خلال قاعدة منطقية بسيطة تقرر انه اذا كانت طرق الطعن كفيلة باصلاح الخطأ العادي (الخطأ في الاجتهاد) فإن الخطيم الجسيم تلزمه مواجهة استثنائية هي موضوع ما نتحدث عنه في مخاصمة الحكم القضائي في حالة الخطأ الجسيم وتقرير المسؤولية المدنية عنه.

ولما كانت القاعدة المتقررة انه لا يجوز القفز باللجوء الى الطريق الاستثنائي (دعوى المخاصمة) قبل استنفاد كافة طرق الطعن باعتبارها نسبة الى دعوى المخاصمة هي الاصل الذي يتوجب الرجوع اليه اولاً واستنفاده قبل اللجوء استثناء الى دعوى المخاصمة، وهذا ما قرره مشروع القانون المعدل فعلاً (بالنسبة لشق المسؤولية طبعاً). مما يعني وجوب رد أي من دعوتي المخاصمة او المسؤولية وعدم قبولها لكونها سابقة لاوانها اذا هي رفعت دون مراعاة استنفاد طرق الطعن المقررة قانوناً، ذلك ان دعوى المخاصمة استثناء على طرق الطعن وطرق الطعن استثناء على الحجية مما تغدو معه دعوى المخاصمة استثناء على الاستثناء أي استثناء مشدداً يتوجب التشدد في تفسيره مراعاة لتلك الحقيقة ليس ازاء الاصل العام المتمثل في الحجية فحسب بل كذلك ازاء الاصل الخاص المتمثل في طرق الطعن.

ولا يجوز التذرع بقدسية العمل القضائي وكرامة القضاء وما الى ذلك في مواجهة تقرير دعوى مخاصمة الحكم القضائي وتقرير مسؤولية القاضي عنه، ببساطة لأن ما يحوز مثل هذه القدسية هو الحكم الصادر في اطار ممارسة وظيفة القضاء، وهي وظيفة تتنزه عن الغش والخطأ الجسيم وتتبرأ من كل ما يمكن ان يتخلله أي منهما، مما يغدو معه التذرع بقدسية العمل القضائي في مواجهة هذه الحالات دفعاً لا طائل منه يرجى ولا جدوى فيه تنتظر.

ثانياً: فكرة الخطأ الجسيم:

توصلنا فيما سبق ان كل غش مهما بلغ من البساطة يشكل في ذاته اساساً صالحاً لعده خطأ جسيماً، مما يكفي معه البحث في الخطأ الجسيم باعتباره ذلك الخطأ الذي لا يدفعه ولا يحول دون ترتيب آثاره مجرد التمسك بالادعاء بحسن النية، أي ذلك الذي يستوي هو والغش في ترتيب اثارهما سواء بسواء، فهو والغش سواء. باعتبار ان الغش جزء من الخطأ الجسيم من حيث مبدأ تقريره والخطأ الجسيم يستوي مع الغش من حيث الاثار المترتبة عليه والتي من اهمها عدم جواز دفعه بادعاء حسن النية لعدم جدوى التذرع بحسن النية والتمسك بها في مواجهته.

والخطأ الجسيم من ناحية أخرى يتقرر في حالات قصوى (Extreme) لا يحتملها بحال ضمير العدالة (حتى النسبية او فلتقل الواقعية منها) ولا يمكن ان تبررها حتى اشد الاعتبارات اهمية كاعتبارات استقرار المراكز القانونية في المجتمع. مما يتوجب معه تداركها بمواجهة استثنائية غير عادية تتناسب وطبيعتها المغرقة في الشدة، وذلك من خلال دعوى مخاصمة الحكم القضائي وتقرير المسؤولية المدنية عنه. تماماً كالحال في عدم انطباق أي من قوانين الفيزياء العادية والمتعارف عليها فيما تعرف "بالمتفردات العظمى" باعتبارنا ندخل فيها الى حالة قصوى من الكتلة البحتة متناهية الجاذبية (كالثقوب السوداء) او من الطاقة (كالكوازارات) بما يجعل قوانين الفيزياء المتعارف عليها عاجزة عن التصدي لتفسير ما يحدث فيها او ما بعدها من ظواهر واحداث فيما وراء ما يعرف بخط الافق. ففي مثل هذه الحالات القصوى تعجز القوانين العادية للطبيعة عن فهم او تفسير مت يحدث فيها مما يجعل قوانين أخرى مختلفة تماماً هي التي تحكمها في هذه الحالات.

حتى اذا عدنا من علم الطبيعة الى علم القانون نقرر الشأن ذاته في حالات صدور الحكم القضائي بناء على غش او خطأ جسيم، فهي حالات يهتز اليها ضمير العدالة ويئز بها عرش القضاء وتضيق بها الى درجة لا تحتمل معها مواجهتها بالطرق العادية، حيث تنطوي على خطورة استثنائية تستدعي بلا شك عدالة استثنائية او طريقاً استثنائياً للعدالة من خلال تقرير قواعد قانونية استثنائية خاصة لمواجهة هذه الحالات المغرقة في التطرف والشدة. 
ولكن، ما معيار الخطأ الجسيم؟ الخطأ الجسيم هو ذلك الذي يقع فيه الشخص المختص ما كان ليقع به العادي غير المختص، او هو ذلك الذي يكون من الجسامة الى درجة لا يمكن معها حتى التذرع بحين النية فيستوي هو والغش مرتبةً سواء بسواء.

وللتعرف على الخطأ الجسيم نستعرض ثلاثة من تطبيقاته التي تؤكد في مجموعها على فكرة واحد هي التي نبرزها في هذا المقال والتي تتمثل في "تعذر النسبة"، فالخطأ الطبي الجسيم (الموجب للمسؤولية) في قانون العقوبات مثلاً هو ذلك الذي كان من الجسامة بمكان الى درجة يتعذر معها نسبته الى العمل الطبي او مهنة الطب مما لا تحميه معه هذه المهنة من التعرض للمسؤولية، ويعرف بانه الخطأ الذي يقع فيه الطبيب المختص ما كان ليقع فيه حتى الطبيب العادي. وقياساً على ذلك يكون الخطأ الجسيم في مجال العمل القضائي هو ذلك الذي يقع به القاضي ما كان ليقع به كاتبه بجهد متواضع.

اما الخطأ العادي فهو الخطأ في الاجتهاد مغفور الزلل نظراً لحقيقة استيلاء النقص في طبيعة البشر، أي مما يغتفر فيه لصاحب المهنة او الوظيفة فتتحمله عنه الوظيفة او المهنة ذاتها وتنسبه اليها، ولا يعود ثمة مكان لتقرير مسؤوليته عنها ببساطة لأن مثل ذلك يعيقه عن ادائه لمهنته او وظيفته، ويمنعه من التطور الذي تلزمه اتاحة حرية الاجتهاد فيها، وفي ذلك نجد استاذنا الدكتور نظام المجالي يقرر في كتابه (شرح قانون العقوبات/ص178) ما يلي: "..ففي النظرية العلمية يوجد مجال للاختلاف فاذا كانت توجد وسيلة علمية محل اختلاف بين مؤيد ومعارض لها واخذ بها الطبيب فلا يعتبر مخالفاً للاصول العلمية وكذلك اذا اخذ برأي مرجوح في مجال الكشف عن الامراض مثلاً ولم يأخذ بالرأي الراجح .. ولكن تتقرر مسؤولية الطبيب ولا يكون عمله الطبي او الجراحي مبرراً اذا خالف الاصول المرعية في مهنة الطب كأن يجري عملية جراحية بادوات غير معقمة او يجريها وهو في حالة سكر او يترك في جسم المريض سهواً اداة من ادوات الجراحة ..".

وفي ذات السياق، لا يسأل القاضي عن خطأه البسيط في الاجتهاد، كأن يرى تفضيل نص على آخر في الوقت الذي تقرر فيه المحكمة العليا (محكمة التمييز) خلاف ذلك فيما بعد باجتهاد هيئة عامة، او ان يخطئ في احتساب الحقوق العمالية للعامل نتيجة لتعقد بعض العمليات الحسابية في القضايا العمالية، اما ان يأتي القاضي ليقرر ان المادة القانونية التي يستند اليها احد المتداعين امامه هي مادة في قانون الاجراءات المدنية والتجارية المصري لا في قانون التنفيذ الاردني، او أن يأتي ليقرر ان تقرير الخبرة الذي استند اليه احد طرفي النزاع دحضه تقرير خبرة مضاد في حين جاء ملف الدعوى خلواً من اية اشارة لذلك، او أن يأتي القاضي ليقرر ان الموظف معين على عقد في الوقت الذي يثبت فيه انه معين بقرار، فكل هذا مما لا شك انه يعد بالحتم خطأ جسيماً لا يغتفر ولا يعد من قبيل الاجتهاد الذي اذا اخطأ فيه المرء فله اجر واحد، ولا يمكن بحال نسبته الى الوظيفة القضائية التي تتنزه عنه وتترفع عن نسبته اليها ولا تحمي مرتكبه لانه وان كان منتمياً عضوياً اليها الا ان قراره الصادر بالاستند الى أي من ذلك يجعلها منه براء، فما بالنا بالغش الذي لا يتصور الا بوقوع جريمة تستوجب حكماً جزائياً قطعياً لاثباته او حتى الادعاء بقيامه؟

وعليه، وحيث تتعذر نسبة الخطأ الطبي الجسيم الى مهنة الطب او العمل الطبي فلا يعود ثمة مجال لوصف مثل هذا النوع من الخطأ بالمهني، اذ تتعذر نسبته الى "المهنة"، ولهذا فلا نتفق مع مصطلح "الخطأ المهني الجسيم" ونقرر بملئ الفم عدم دقة هذا المصطلح الوارد في مشروع التعديل المقترح، فالخطأ المهني بحكم طبيعته وماهيته الذاتية لا يمكن بحال ان يشمل او يستوعب الخطأ الجسيم والخطأ الجسيم لا يمكن بحال وصفه بالمهني وان كان ارتكب في معرض ممارسة المهنة او الوظيفة المعنية الا ان هذه الوظيفة وتلك المهنة تتبرأ منه فتتعذر نسبته اليها.     

واذا جاز لنا ان نضرب صفحاً عن مثال آخر فنقول بالخطأ الجسيم في اطار النظرية العامة في العقود في القانون المدني، حيث رفضت هذه النظرية استيعاب كل من حالتي الغش والخطأ الجسيم في اطارها، باعتبار ان "الارادة المشتركة للمتعاقدين" تتنزه عن توقع الغش والخطأ الجسيم، ولما كان نطاق التعويض في المسؤولية العقدية يتحدد بالاضرار المتوقعة دون غير المتوقعة منها فكان لا بد من تقرير التعويض عنها باعتبارها خطأ تقصيرياً لا تعاقدياً، ومن هنا كان الخطأ في حالتي الغش في العقد والخطأ الجسيم في تنفيذ الالتزامات التعاقدية خطأ تقصيرياً لا تعاقدياً وان ارتكب في معرض عقد، ولذلك نجد المادة (221/2) من القانون المدني الارني والتي قررت انه [ومع ذلك اذا كان الالتزام مصدره العقد، فلا يلتزم المدين الذى لم يرتكب غشا او خطأ جسيما الا بتعويض الضرر الذى كان يمكن توقعه عادة وقت التعاقد]. وكذلك نجد ما قررته المادة (211/2) من ذات القانون من انه [وفى كل حال يبقى المدين مسئولا عما يأتيه من غش او خطأ جسيم].

ومن تطبيقات الخطأ الجسيم ايضاً نجد القرار المنعدم في النظيرة العامة للقرارات الادارية في القانون الاداري، واذا كان التطبيق السائد للقرار المنعدم هو في مجال عيب عدم الاختصاص الجسيم فإن هنالك من الحالات الاخرى المبنية على الخطأ الجسيم، والتي تنحدر بالقرار الاداري ليصبح من قبيل الاعتداء المادي بما ينزع عنه اية صفة قانونية بالمطلق تسمه بقرينة المشروعية التي تتمتع بها القرارات الادارية او تحصنه من الطعن مثلاً بانقضاء الموعد المخصص لذلك، وهي مزايا تستفيد منها القرارات الادارية حتى الباطلة منها.    

وقد عرف الفقه الاعتداء المادي على انه عمل مادي غير مشروع فقد طبيعته الادارية، كما وعرفه بانه خطأ جسيم تأتيه الادارة اثناء قيامها بعمل داي يتضمن اعتداءً على حرية فردية او ملكية خاصة. وفي هذا المجال نرى حكم محكمة التنازع الفرنسية في قضية (SCHNEIDER) والذي ورد فيه ان الاعتداء المادي يتحقق في حالتين احدهما: المخالفة الصارخة والواضحة التي ينطوي عليها القرار الاداري بحيث لا يمكن ان يعد تطبيقاً لنص من قانون او لائحة. (في ذلك انظر: انور عارف عبد الكريم سمور، القرارات الادارية المنعدمة في القضاء الاداري الاردني، رسالة ماجستير، الجامعة الاردنية، سنة 1993 ، ص41 و53).

وكما لاحظنا في حالتي عيب عدم الاختصاص الجسيم فهو القرار الذي يستحيل نسبته الى الادارة بأن يقع بالاعتداء من سلطة على سلطة أخرى في الدولة مستقلة بالكامل عنها او هو القرار الذي يصدره شخص منقطع الصلة بالكامل عن الادارة (لا صفة تمثيلية له بالمطلق) وهنا يبان وجه المقاربة بين جميع الامثلة السابقة لاثبات فرضية العلاقة بين الخطأ الجسيم وفكرة انبتات الصلة او تعذر نسبة العمل المعني عن اصله الذي يمنحه المشروعية سواء اكان مرفقاً (كالقرار الاداري) او مهنة (كالخطأ الطبي) او ارادة (كالخطأ الجسيم في تنفيذ العقود). 

وفي ذات الوقت نجد حالة الخطأ الجسيم الذي تتعذر نسبته الى الادارة اصلاً فيتبرأ منه المرفق العام ويرفع عنه غطاء المشروعية الذي تتمتع به القرارات الادارية ما ان تصدر حتى يتقرر الغاؤها بتقرير عدم مشروعيتها بالطريق المحدد قانوناً للطعن بها.

والقرار المنعدم كما نعلم لا يتحصن مهما انقضت المدة على صدوره، ويجوز رفع دعوى مبتدأة لتقرير انعدامه، باعتباره ولد ميتاً ولا يكون من شأن الحكم الصادر بانعدامه الا تقرير مثل هذه الحالة ومنحها كلمة القضاء بتقريرها في الحالة المعنية. وهذه الحالة هي ذاتها التي نجدها في مجال الاحكام المنعدمة في اطار النظرية العامة للحكم القضائي والتي سندرسها في الاسطر القادمة. 

ثالثاً: فكرة الحكم المنعدم:

ذات ما رأيناه بالنسبة للقرارات المنعدمة، نجده ايضاً في مجال الاحكام المنعدمة، ومن الممكن التأسيس لهذا النوع من الاحكام بدراسة اركانها من ناحية ودراسة العلاقة بينها وبين الاحكام القضائية الباطلة من ناحية أخرى. فالحكم المنعدم هو ذلك الذي فقد احد اركانه الثلاثة وهي: ان يكون صادراً عن جهة قضائية، وان يكون صادراً في منازعة مطروحة امامها (باعتبار ان القضاء مثار وليس تلقائياً) وان يكون مكتوباً، مما يترتب عليه ان غياب أي من الاركان الثلاثة تلك يرتب انعام الحكم القضائي ليجعله عرضة لا للطعن بحسب وانما لرفع دعوى مبتدأة لتقرير انعدامه دون التقيد بميعاد معين لذلك.

واذا كان لنا ان نربط بين ما توصلنا اليه سابقاً من ماهية الخطأ الجسيم بأنه انبتات لصلة او نسبة العمل المعني عن اصله الذي يمنحه المشروعية سواء اكان مرفقاً (كالقرار الاداري) او مهنة (كالخطأ الطبي) او ارادة (كالخطأ الجسيم في تنفيذ العقود)، كان لنا تناول الركن الاول من اركان الحكم القضائي والمتمثل في صدوره عن سلطة قضائية، حيث ان صدور الحكم القضائي بناء على غش او خطأ جسيم يجعله منبت الصلة عن مرفق القضاء الذي يتنزه عن الاعتراف بنسبته اليه تماماً كما ان الارادة المشتركة للمتعاقدين تتنزه عن توقع الغش او الخطأ الجسيم. وهو ما يجعل الحكم القضائي منعدماً لفقدانه ركن النسبة الى مرفق القضاء مما ينزع عنه الحجية التي تتمتع بها الاحكام القضائية (تمتماً كحرمان القرارات الادارية المنعدمة من قرينة المشروعية) ويجعل من الممكن بالتالي رفع دعوى لمخاصمته وتقرير انعدامه دون التقيد في ذلك بطريق من طرق الطعن او بمدة معينة مضروبة لذلك.

وفي ذات الوقت ولما كان يتعذر نسبة الحكم الصادر بناء على غش او خطأ جسيم الى مرفق القضاء او مهنته فلا يعود مثل ذلك المرفق او تلك المهنة تحمي القاضي من التعرض للمسؤولية الشخصية عن الاضرار الناتجة عن الحكم الصادر، مما تقوم معه وتتأسس بناء عليه مسؤولية القاضي الشخصية عن الاضرار التي يسببها الحكم الصادر بناء على غش او خطأ جسيم، وهي في حقيقة الامر وواقعه مسؤولية ادارية باعتبارها ترتبت عن عمل مرفق عام هو مرفق القضاء، ومن المعلوم ان للمسؤولية الادارية نوعان: مسؤولية عن الخطأ المرفقي وهو الخطأ العادي الذي يسببه رجل الادارة في معرض ادائه لوظيفته الادارية ويكون عادياً بحيث لا تجوز مساءلته شخصياً عن ذلك الخطأ وانما تتولى الادارة نفسها تعويض المضرور عنه دون الرجوع على موظفها في ذلك، ببساطة لأن مثل هذا الخطأ تتحمل الادارة نسبته اليها لتتصدى هي في مواجهة المضرور لتعويضه. هذا النوع من الخطأ (العادي) لا يعترف به ولا تتقرر اية مسؤولية عنه بالمطلق في مجال الوظيفة القضائية.

في مقابل ذلك نجد الخطأ الشخصي الذي لا يمكن بل يستحيل ان يتصور نسبته الى المرفق العام او الى الادارة، باعتبار بروز نزعات الصفة الانسانية البحتة به بما يجعله منبت الصلة عن الادارة او المرفق العام، ومن ذلك نجد حالتي الغش والخطأ الجسيم. وحكمه تقرير مسؤولية الادارة عنه في مواجهة المضرور لكن ليس وفقاً لمبدأ التعويض الكامل للضرر، وانما تسوده اعتبارات واقعية قد تنقص من مقدار التعويض نظراً للاعتبارات التي تسبغ على المسؤولية الادارية خصوصيتها وذاتيتها. وفي جميع الاحوال يكون للادارة الرجوع على موظفها بما أدته للغير من تعويض كلياً او جزئياً تبعاً لذات الاعتبارات المذكورة. وعليه، فلا نتفق مع ما ورد في مشروع التعديل المقترح من تقرير حق الغير بالرجوع على القاضي بالتعويض بشكل مباشر، اذ ينتقص ذلك من حق المضرور في التعويض الى حد كبير، نظراً للفارق الشاسع بين الذمة المالية الشخصية للقاضي الفرد والذمة المالية للدولة التي تفترض فيها الملاءة اصلاً. ومثل هذا النوع من الخطأ (الشخصي) والذي تتعذر نسبته الى المرفق العام وصورته هنا مرفق القضاء الذي يتنزه عن ان ينسب اليه خطأ جسيم او غش يكون للغير رفع دعوى المسؤولية لتقرير التعويض عنه بخلاف الخطأ البسيط كما ذكرنا.

اخيراً، فهذه دراسة متواضعة لمجموعة من الافكار القانونية والتطبيقات التي يمكن تكريسها لتأصيل وتأسيس مخاصمة الحكم القضائي وتقرير مسؤولية القاضي الشخصية عن الاضرار التي يسببها للغير في معرض ممارسته لوظيفته القضائية اذا تخلل ممارسته تلك غش او خطأ جسيم. عسى ان يأخذها اصحاب العلاقة في الحسبان عند دراستهم لمشروع التعديل المقترح على المادة (38/ج) من قانون السلطة القضائية. وان كنا نرى حذف مصطلح "غش" كونها تمس بالهيبة المتوجبة في مرفق القضاء الذي يتوجب التأدب في المصطلحات التي تخاطبه حتى من لدن المشرع نفسه والذي يلتزم القضاء بإنفاذ ارادته او كلمته المتضمنة في النصوص. سيما اذا علمنا بانه يمكننا الاكتفاء بمصطلح "الخطأ الجسيم" باعتباره يستوعب حالة "الغش"، فكل غش مهما كان بسيطاً يشكل في ذاته خطأ جسيماً يستوجب تقرير الاثر المزدوج المذكور.

ذلك ما كان من أمر اجتهادي في هذه المسألة، ورأيي يبقى صواباً يحتمل الخطأ ورأي غيري يحتمل الصواب، فإن أصبت فمن الله وتوفيقه، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، فعسى أن أكسب باجتهادي هذا الأجرين لا الأجر الواحد، والله من وراء القصد، وشكراً.



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق