نشر في: 02 حزيران/يونيو 2013
الزيارات:    
| طباعة |

قراءة في طلب محكمة صلح جزاء عمان رفع الحصانة عن النائب الحروب

كتب د. أشرف سمحان

 

العدالة الراديكالية - قبل فترة وجيزة فوجئت بقرار محكمة صلح جزاء عمان تسطير كتاب لوزير العدل تطلب فيه اتخاذ الاجراءات اللازمة لرفع الحصانة عن النائب رولا الحروب في القضية المرفوعة ضدها من رجل الاعمال الاردني محمد الصالح وموضوعها شكوى الذم والقدح والتحقير مع الادعاء بالحق الشخصي، وذلك باعتبار ان النائب الحروب اتهمت الصالح خلال جلسة لمجلس النواب بإنشاء شركات وهمية للتنقيب عن النفط في الاردن وبمعرفة الحكومات السابقة. حيث جاء ذلك خلال مناقشة المجلس لمشروعي قانوني إلغاء اتفاقية التنقيب عن النفط بين شركة 'يونفيرسال' للطاقة المحدودة وسلطة المصادر الطبيعية واتفاقية التنقيب مع شركة سونوران.

واذا كان لي ان ادلي بدلوي في الجدل الدائر حول قرار محكمة صلح جزاء عمان الموقرة فأقول بأنه –ومع كامل الاحترام والتقدير- يثير اشكاليات عدة جوهرية، يمكننا التعبير عنها على النحو التالي:

أولاً: في عدم جواز ملاحقة النائب الحروب اصلاً عن التهمة المنسوبة اليها باعتبارها امام سبب تبرير لا نكون معه في الاصل امام جريمة اساساً:

وفي ذلك نجد ان قرار محكمة صلح جزاء عمان الموقرة يثير من جديد اشكالية قديمة حديثة تتمثل في المفاهيم المغلوطة لدى كثير من رجال القانون عن فكرة الحصانة، وذلك من ناحية الخلط فيما بين نوعين منها هما: الحصانة الاجرائية التي تمتاز بانها مؤقتة من ناحية عن مدة عمل المجلس فقط، كما وتمتاز من ناحية اخرى بانها عامة بحيث تشمل جميع الجرائم التي تنسب الى النائب، وهي التي عالجتها المادة (86) من الدستور الاردني. والحصانة الموضوعية التي تمتاز بانها مطلقة من ناحية وقوعها كسبب تبرير يزيل حالة الاجرام –المقررة وفقاً للشريعة العامة- من اساسها، كما وتمتاز من ناحية اخرى بانها خاصة بالاقوال التي يدليها النائب ووفقاً للشرائط التي حددتها المادة (87) من الدستور والتي تقرر ان [لكل عضو من اعضاء مجلسي الاعيان والنواب ملء الحرية في التكلم وابداء الراي في حدود النظام الداخلي للمجلس الذي هو منتسب اليه ولا يجوز مؤاخذة العضو بسبب اي تصويت او راي يبديه او خطاب يلقيه في اثناء جلسات المجلس].

حتى اذا اتضحت حقيقة التفرقة بين نوعي الحصانة المذكورين استطعنا ان نقرر اننا في القضية الاخيرة المرفوعة ضد النائب الحروب نكون في حقيقة الامر وواقعه امام حصانة موضوعية لا اجرائية، وذلك عن اقوال ادلت بها تحت قبة البرلمان واستجمعت فيها كافة الشرائط التي فرضتها المادة السابقة لقيام هذا النوع من الحصانة من صفة النيابة في المشتكى عليها الحروب، ومكان وزمان ارتكاب الجريمة اثناء اجتماعات المجلس، وطبيعة الفعل المرتكب من الا يعدو مجرد "الاقوال"، مما يترتب على كل ذلك اثر هام وجوهري يتمثل في قيام سبب تبرير ينزع عن اقوال النائب الحروب صفة الجريمة من اساسها ومبدئها، سواء اتمثل ذلك في صورة استعمال النائب حقه في الكلام او ادائه لواجبه في الرقابة، حيث نصت المادة (59) من قانون العقوبات –وتحت عنوان "اسباب التبرير"- على ان [الفعل المرتكب في ممارسة حق دون اساءة استعماله لا يعد جريمة].

وسبب التبرير الذي نؤكده في هذا المقام مستشف في رأينا من تعبير النص السابق المتضمن انه (.. ولا يجوز مؤاخذة العضو ...)، لأن "عدم المؤاخذة" في رأينا اشد المصطلحات تعبيراً عن نفي اي نوع من انواع المسؤولية حتى التي تكون في صورة "اللوم" فما بالنا باشد انواع المسؤولية القانونية والمتمثلة في حالتنا هنا في صورة المسؤولية الجزائية؟

وقد يقول قائل بأنه ولكي تتذرع النائب بالحصانة الموضوعية المقررة في المادة (87) من الدستور لا بد من تقيدها بالوظيفة التي انما قررت تلك الحصانة ابتداء لتحقيقها دون مغالاة في ذلك او اساءة لاستعمال سلطتها او حقها –اياً كانت طبيعة ذلك. والصحيح ان النائب الحروب ادلت باقوال وتعابير ارتأتها لازمةً لايصال المقصود في رأيها الذي عبرت عنه استعمالاً لوظيفتها الرقابية التي قررها لها الدستور وباعتبار ان الاقوال التي ادلت بها النائب الحروب كانت من مقتضيات ممارستها لوظيفتها الرقابية تلك، كيف؟ نصل الى هذه النتيجة من خلال تدقيقنا في الظروف التي ادلت النائب الحروب بتلك الاقوال في معرضها، ذلك ان النائب الحروب لم تتلفظ بالاقوال التي اتهمت من اجلها في معرض مشاجرة او مشاحنة كما نلاحظه على اخواننا النواب بين حين وآخر -باعتبارهم وبحكم طبيعتهم البشرية يمكن ان تصل بهم درجة الاختلاف في الرأي الى العراك بالايدي والمسدسات. وانما ادلت بتلك الاتهامات للسيد الصالح بشكل واعٍ وهادئ وخلال جلسة لمجلس النواب ناقش فيها المجلس مشروعي قانوني إلغاء اتفاقية التنقيب عن النفط بين شركة 'يونفيرسال' للطاقة المحدودة وسلطة المصادر الطبيعية واتفاقية التنقيب مع شركة سونوران، اي كان ذلك في معرض ممارستها لوظيفتها التي قررها لها الدستور ولم تأت هكذا عرضاً او دون مناسبة او سبب.

مما سبق، نخلص الى القول بان طلب محكمة صلح جزاء عمان الموقرة اتخاذ الاجراءات اللازمة لرفع الحصانة غير ذي موضوع، فلا جدوى منه تنتظر ولا فائدة فيه ترجى، ببساطة لأنه مقدم في مواجهة حصانة مطلقة هي الحصانة الموضوعية، لا مجرد عقبة اجرائية يتجاوزها رفع الحصانة بالاذن الصادر من مجلس النواب، فالصحيح اننا في هذه الحالة امام حصانة موضوعية لا اجرائية ليكون من الممكن تقديم ما يسمى بطلب رفع الحصانة في مواجهته، فمثل هذا الطلب انما هو مقدم كجزء من مجموعة من الاجراءات التي لا تتخذ اصلاً الا في مواجهة الحصانة الاجرائية لا الموضوعية التي لا ترد عليها اجراءات رفع الحصانة.


ثانياً: في عدم جواز تقديم قاضي الحكم طلب رفع الحصانة عن المشتكى عليه:

وفي ذلك اقول بأنه وحتى على فرض عدم اكتساب النائب الحروب للحصانة التي تبرر اقوالها محل الشكوى الاخيرة المقامة ضدها، فإن يد النيابة العامة لا تعود لتطلق من جديد حرةً في ملاحقتها، وانما نعود في هذه الحالة الى الدائرة الاوسع من الحصانة الا وهي الحصانة الاجرائية التي تغطي جميع الجرائم واياً كان نوعها وطبيعتها وظروف ارتكابها (باستثناء حالة الجرم المشهود كما نعلم)، الامر الذي يستوجب في هذه الحالة العودة للبحث في احكام هذا النوع الآخر من الحصانة الا وهي الحصانة الاجرائية. وفي ذلك نقول بأنه ومع كامل الاحترام للمحكمة للموقرة الا ان طلب اتخاذ الاجراءات اللازمة لرفع الحصانة عن النائب الحروب لا يجوز ان يقدم من المحكمة وانما من النيابة العامة ذاتها او بناء على طلب من الجهة المشتكية باعتبارها ممثلةً للنيابة العامة في القضايا الصلحية وفقاً لما توجبه المادة (167) من قانون اصول المحاكمات الجزائية، والتي نصت على انه [في المحاكمات التي تجري امام قاضي الصلح وغيرها التي لا يفرض القانون تمثيل النيابة فيها يجوز للشاكي او وكيله حضور المحاكمة والقيام بدور ممثل النيابة فيها من حيث تسمية البينة وتقديمها بما في ذلك استجواب الشهود ومناقشة الدفاع وطلب اجراء الخبرة].

وسلطة الجهة المشتكية في تقديم مثل ذلك الطلب مستمدة من حقيقتين اثنتين هما:

1- الحقيقة الاولى تتمثل في ان المادة (136) من النظام الداخلي لمجلس النواب اوجبت ان يقدم طلب رفع الحصانة من لدن رئيس الوزراء دون ان تحدد جهة معينة يكون من المفترض فيها ان تقدم مثل ذلك الطلب الى رئيس الوزراء ابتداء، حيث نصت هذه المادة على ان: [يقدم رئيس الوزراء طلب الاذن باتخاذ الاجراءات الجزائية الى رئيس المجلس ...]، مما يعني ان من الممكن لرئيس الوزراء –وهو اذ يكون جزءاً من السلطة التنفيذية فإن اختصاصه كما نعلم تلقائي وليس مثاراً كما هو الحال في القضاء- ان يقدم مثل ذلك الطلب من تلقاء نفسه ودون الحاجة لان يقدم مثل ذلك الطلب اليه ابتداء.

2- اما الحقيقة الثانية فتتمثل في ان قضاءنا الاردني ممثلاً بمحكمة التمييز الموقرة نحى في تفسيره لنص المادة (167) من قانون اصول المحاكمات الجزائية منحىً موسعاً، حيث قررت في حكم لها ان "حق الشاكي او وكيله بحضور المحاكمة والقيام بدور ممثل النيابة العامة من حيث تسمية البينة وتقديمها لا ينحصر في المحاكمات التي تجري امام محكمة الصلح، بل يشمل المحاكمات الاخرى التي لا يفرض القانون تمثيل النيابة فيها" (قرار محكمة التمييز الاردنية بصفتها الجزائية رقم 44/1969 المنشور على الصفحة 495 من عدد مجلة نقابة المحامين الصادر بتاريخ 1/1/1969)، مما يعني تجاوز الحرج في القول بأن سلطات الجهة المشتكية في تمثيل النيابة العامة في الجنح التي لا يفرض فيها القانون تمثيل النيابة العامة فيها (كالجنح الصلحية) محددة حصراً بما ورد ذكره بشكل صريح في المادة (167) من قانون اصول المحاكمات الجزائية.


وعليه، ومما تقدم، نصل الى نتيجة مفادها ان للنيابة العامة (او للجهة المشتكية باعتبارها ممثلة لها) تقديم طلب رفع الحصانة عن النائب الحروب –هذا بفرض عدم تمتعها بالحصانة الموضوعية التي سبق ان اثبتنا توافرها في الجزء الاول من هذا المقال. أما ان توجِّه محكمة صلح جزاء عمان الموقرة كتاباً الى رئاسة الوزراء للمضي باجراءات طلب رفع الحصانة عن المشتكى عليها امامها فهو امر غير مستساغ ولا يتفق البتة وصحيح القانون والاجراءات، وذلك لما يلي من اسباب:

1- لأن وظيفة النيابة العامة محفوظة حصراً لها بموجب ما اكده بالقطع نص المادة (2/1) من قانون اصول المحاكمات الجزائية والمتضمن انه [تختص النيابة العامة باقامة دعوى الحق العام ومباشرتها ولا تقام من غيرها الا في الاحوال المبينة في القانون]، فلم يكتف النص السابق للوصول الى حكمه من خلال استعماله للفظ (تختص) وبما يفيده معنى الاختصاص من "الحصر مع المنع"، وانما تجاوز ذلك الى التأكيد على ذات المعنى في ذات النص بعبارة اخرى جاءت في عجزه تضمنت انه (... ولا تقام من غيرها الا في الاحوال المبينة في القانون). بمعنى عدم جواز اتخاذ اي اجراء لتحريك دعوى الحق العام ومباشرتها من غير النيابة العامة الا في احوال مخصوصة تقوم فيها الجهة المشتكية بذاتها بتلك الوظيفة. والحال هنا ان المطالبة برفع الحصانة تدخل في الاختصاص الحصري للنيابة العامة لا لقضاء الحكم، وذلك باعتبار رفع الحصانة مقدمة لازمة لتحريك دعوى الحق العام الذي يدخل في الاساس في صميم عمل النيابة العامة لا قضاء الحكم.

2- وكذلك لأن في توجيه محكمة صلح جزاء عمان الموقرة كتاباً الى رئاسة الوزراء (للمضي ياجراءات طلب رفع الحصانة عن المشتكى عليها امامها) فيه مساس جسيم بل وخطير جداً بحيادها كجهة حكم، اذ يقيم منها خصماً وحكماً في آن معاً، وهو ما لا يصح ولا يجوز ولا يتصور قبوله باي حال من الاحوال، ومثل هذا الامر هو ما سعى المشرع الجزائي الى تداركه ومنع وقوعه حين قرر نص المادة (24/1) من قانون اصول المحاكمات الجزائية والمتضمن انه [لا يجوز لقاض ان يحكم بالدعوى التي تولى وظيفة النيابة العامة فيها].

فبعد ان تقدمت محكمة صلح جزاء عمان الموقرة بمثل ذلك الطلب الى رئاسة الوزراء برفع الحصانة لغايات ملاحقة المشتكى عليها امامها، ماذا ابقت للنيابة العامة ان تفعله بهذا الخصوص؟ وكيف لنا وبعد كل ذلك ان نقول بحيادها كجهة حكم بعد ان طالبت بتحريك دعوى الحق العام في مواجهة المشتكى عليها امامها فخلطت في ذلك بين وظيفتين حاول المشرع جاهداً في معظم مفاصل قانون اصول المحاكمات الجزائية ان يتلافى الخلط بينهما، باعتبار ان الفصل بين جهتي الادعاء والحكم يعد الركيزة الاولى والاساسية التي تقوم عليها جميع الضمانات التي تحمي الحق في الدفاع وهو الحق المقدس.


والمتتبع لاجتهادات محكمة التمييز الاردنية يجدها اكدت على هذه الحقيقة، فقضت بانعدام (لا مجرد بطلان) جميع الاجراءات المتخذة في المحاكمة الجزائية اذا كان احد القضاة الذين دخلوا في تشكيل الهيئة التي تولت الحكم في الدعوى اشترك في التحقيق فيها بصفته مدعياً عاماً، حيث جاء في قرارها انه "يستفاد من نص المادة (24) من قانون اصول المحاكمات الجزائية انه يتعذر على القاضي الذي تولى اعمال النيابة في دعوى معينة ان يحكم بها كقاضي موضوع .

وحيث ان الحكم المميز كان قد صدر عن القاضي الذي سبق له وان اصدر قرار الاتهام الذي اسست عليه الدعوى فان تشكيل الهيئة الحاكمة التي اصدرت القرار المميز باشتراك ذلك القاضي تجعل منها تشكيلا غير قانوني وبالتالي فان الحكم الصادر عنها يكون قراراً منعدماً (قرار محكمة التمييز الاردنية رقم 914/2000 تاريخ 31/10/2000 المنشور على الصفحة 196 من عدد المجلة القضائية رقم 10 سنة 2000). ومن المعلوم ما يعنيه الانعدام بوصفه جزاء اشد من البطلان من دلالة اكيدة على جسامة المخالفة المرتكبة والتي رتبت مثل هذا الجزاء القانوني الخطير المتمثل في الانعدام، وهو في رأينا جزاءٌ وِفاقٌ للاخلال باولى مرتكزات الحق في الدفاع والمتمثل في الفصل بين وظيفتي اقامة دعوى الحق العام (وتمثيل الحق العام فيها) ووظيفة الحكم، وذلك باعتبار ان رفع الحصانة مقدمة لازمة لتحريك دعوى الحق العام الذي يدخل في الاساس في صميم عمل النيابة العامة لا قضاء الحكم.

3- اخيراً، فنشير الى ان كل ما سبق يثير تساؤلاً هاماً بل وشكوكاً جديةً حول مدى قيام سبب من اسباب عدم الصلاحية بحق الهيئة التي تقدمت بمثل ذلك الطلب لرئاسة الوزراء للمضي باجراءات طلب رفع الحصانة من مجلس النواب عن المشتكى عليها امامها، وذلك بسبب ظهورها للعيان –في ذلك الطلب- في مظهر الخصم بمواجهة المشتكى عليها امامها، ما يفقدها والحال كهذه صلاحية الحكم في دعوى كانت فيها هي ذاتها وفي احدى مراحلها خصماً ايضاً، مما لا يجوز معه الجمع بين تلكما الصفتين تحت اي ظرف كان. ونكتفي بالاشارة في هذا المقام الى حالات عدم الصلاحية التي تقررها المادة (132) من اصول المحاكمات المدنية، وهي في معظمها حالات يُستشعر فيها معنى الخصومة ويُلمس بشكل اقل شدةً او حدةً مما هو عليه الحال في الاجراء المتخذ من قبل جهة الحكم لرفع الحصانة عن المشتكى عليها امامها.

ذلك ما كان من أمر اجتهادي في هذه المسألة، ورأيي يبقى صواباً يحتمل الخطأ ورأي غيري يحتمل الصواب، فإن أصبت فمن الله وتوفيقه، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، فعسى أن أكسب باجتهادي هذا الأجرين لا الأجر الواحد، والله من وراء القصد، وشكراً.

 

 



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق