نشر في: 10 آذار/مارس 2015
الزيارات:    
| طباعة |

الأسرى الفلسطينيين والعرب الذين تم تشغيلهم بالإكراه في المعتقلات الإسرائيلية الأولى 1948- 1955م

العدالة الراديكالية - في البداية لا بد لي من توجيه كلمة شكر وعرفان للأخ والصديق العزيز "عيسى قراقع" رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين، و "د. محمد الشلالده" خبير القانون الدولي وعميد كلية الحقوق في جامعة القدس، على مشاركتهم الفاعلة في الحلقة التلفزيونية التي خصصت لنقاش هذا الموضوع عبر شاشة تلفزيون فلسطين يوم الخميس الماضي، في إطار برنامج "شؤون عمالية" الذي يعده الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين بقيادة الأخ "شاهر سعد" الذي أبدى استعداده للسهر على متابعة حقوق الأسرى الذين تم استغلالهم داخل معسكرات الاعتقال الإسرائيلية الأولى، واستكمالاً لهذا الجهد فقد انعقد الرأي لدى الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، على تبني دعوة " د. محمد الشلالدة" التي أطلقها في نهاية الحلقة المذكورة لتنظيم لقاء وطني لأصحاب العلاقة والاختصاص، للتشاور حول الخطوة الأولى التي ينبغي البدء بها من قبل الكل الوطني للوصول إلى خاتمة تستقيم مع القيمة التاريخية والإنسانية والوطنية لضحايا معسكرات الاعتقال الإسرائيلية الأولى 1948- 1955م.


تبصير أولي حول الموضوع

قد يبدو فتح هذا الملف غريباً للوهلة الأولى، لكنه ثورياً بمعانيه ومراميه الوطنية والإنسانية، ولم يسبق لأي من القيادات الفلسطينية المعاصرة أن أماطت اللثام عنه، فترك في مكانه غائراً بين الغبار والتراب، وبقيت صفحاته ملطخة بعرق ودماء العمال الأسرى دون أن يبادر أي كان للأخذ بثأرهم وحقهم في آن، الذين قتل منهم العشرات برصاص الحراس الإسرائيليون وهم عزل من أي سلاح، أثناء عملهم القسّري في ورش ومنشآت جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب عام 1948م وبعدها، بعد أن تم تجميعهم في معسكرات الاعتقال الأولى التي وصل عددها إلى 22 معسكر اعتقال وتشغيل منها على سبيل المثال: معسكر إجليل، ويبعد عن مدينة يافا ثلاثة عشر كيلو متراً، وشيد هذا المعسكر على أنقاض قرية (إجليج القبلية) التي دمرت في أوائل نيسان ١٩٤٨م، وكان يتسع لـ (2900 أسير)، الذين ميزت ملابسهم بشارة أسرى الحرب (POW)، وكان معسكر إجليل مبني من الخيام العسكرية ومحاطاً بالأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة.

أسرى فلسطينيين في معسكر الاعتقال الإسرائيلي "لفنسكي" في عام 1949م

ومعسكر تل لتفنسكي بالقرب من تل أبيب وكان يتسع لـ 2٠٠٠ أسيراً، ومعسكر نهلال بالقرب من مستعمرة نهلال في مرج بن عامر، وكان يتسع لـ 1200 أسيراً، ومعسكر صرفند الذي أقيم فوق أراضي قرية "صرفند العمار" وكان يستخدم في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين لاحتجاز بعض المهاجرين اليهود من قبل سلطات الانتداب البريطاني، وكان يتسع لـ 1800 أسير، ومعسكر عتليت، ويقع جنوب مدينة حيفا، وتم تشييده في عام 1930م من قبل سلطات الانتداب البريطاني في بداية الحرب العالمية الثانية، كمعتقل لأسرى الحرب الإيطاليين، ويتسع لـ 1500 أسير، ومعسكر الدامون الذي يقع داخل أحراج جبل الكرمل في مدينة حيفا, ويتسع لـ 500 أسير، ومعسكر "أم خالد" الذي أنشأ خصيصاً للتشغيل وكان يتسع لـ 1600 أسيراً، بالإضافة لمعتقلات (عكا وشطه وحيفا والجلمه وصبارين، وقلاع تيغارت التي عرفت فيما بعد بالمقاطعات) ومن تلك المعسكرات أُخرج الأسرى للعمل ضمن ظروف تشغيل إستعبادية وإذلالية قاهرة، كخدم بلا أجر بعد إجبارهم على القيام بأعمال منافية لرغباتهم واختيارهم، كنهب البيوت والمنازل الفلسطينية التي تركها أهلها وفروا منها تحت وطأة القصف والقتل، ونقل وتخزين تلك المسروقات في مخازن أعدها جيش الاحتلال الإسرائيلي من أجل هذه الغاية، وإجبارهم على تجميع جثث الشهداء من داخل البيوت والمساجد ورميها داخل حفر كبيرة ومن ثم إشعال النيران فيها، وإجبارهم على السباحة في البحر لانتشال محتويات وحمولة بعض السفن الغارقة بالقرب من الساحل الفلسطيني، والعمل في تجفيف الأراضي الرطبة والمستنقعات، ونقل الحجارة من المنازل الفلسطينية المهدمة، ورصف الطرق، وحفر الخنادق العسكرية، وإجبارهم على القيام بأعمال تدعم المجهود الحربي الإسرائيلي، في مخالفة إسرائيلية واضحة وصريحة لنصوص المواد (50و51و52 و53 و54) من القسم الثالث من اتفاقية جنيف المؤرخة في 12 آب 1949م المنظمة لعلاقة الدولة القائمة بالاحتلال مع أسرى الحرب، والمادة (95) من الاتفاقية نفسها والتي توضح بجلاء حقوق أسير الحرب وواجبات الدولة القائمة بالأسر.

ولعل هذه المأساة تشبه إلى حد كبير مأساة العمال المصريين الذين أجبروا على حفر قناة السويس بلا أجر أو مقابل عادل، فعملوا ضمن ظروف استعبادية فظة وظالمة، ودفن المئات منهم في رمال القناة، بعد أن ضُربوا حتى الموت بسياط الجلادين، أو بسبب الأمراض التي فتكت بهم، وامتنع المشغلون عن نقل رفاتهم إلى قراهم في صعيد مصر والأرياف البعيدة، لكن زملاء لهم حملوا بعضاً من ملابسهم التي لطخت بالرمل والدماء لذويهم، الذين احتفظوا بها كما هي انتظاراً للثأر، وعندما أمم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر قناة السويس في عام 1956م، قام الفلاحون بدفن ملابس أبنائهم لأنهم اعتبروا ما قام به (عبد الناصر) أخذً لثأرهم، فدفنوا ملابس أبناءهم وفتحوا بيوت العزاء لهم.

منطلق الملاحقة القانونية

بالاستناد إلى نصوص اتفاقية جنيف الرابعة وفي مقدمتها المواد المبينة أعلاه والمادة (95) من الاتفاقية نفسها التي توضح بجلاء حقوق وواجبات أسير الحرب، وخاصة إن إسرائيل في تلك الفترة تعاملت مع غالبية الأسرى الفلسطينيين كأسرى حرب وميزت زيهم (الاعتقالي) بالحروف (P.O.W) وتعني أسير حرب Prisoners of War.

وبالتالي فإن حكومة إسرائيل ملزمة ومنذ تلك اللحظة بمنح العمال الأسرى الذين شغلتهم بالإكراه كامل حقوقهم وأجورهم ومكافئاتهم وتعويضاتهم عن حوادث وإصابات العمل وفقاً لنص المادة (95) من اتفاقية جنيف لعام 1929م، وقواعد لاهاي لعام ١٩٠٧م.

واستناداً لشهادات منظمة الصليب الأحمر، التي زار مندوبوها الأسرى الفلسطينيين في أماكن أسرهم، من عام 1948 - 1955م مئات المرات، ووثقوا العديد من المشاهدات والأسماء، ومن بين تلك المشاهدات ما جاء في تقرير رئيس بعثة اللجنة الدولية "جاك راينر" المؤرخ بـ  (22  تموز ١٩٤٨م)، حيث يقول: "إن حالة المعتقلين المدنيين كانت [مختلطة كلياً] مع أسرى الحرب العسكريين، وإن السلطات اليهودية عاملت جميع العرب بين سن ١٦ و٥٥ كمقاتلين واعتقلتهم كأسرى حرب، وجاء في التقرير أيضاً بأن بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجدت بين الأسرى الفلسطينيين في معسكرات الاعتقال (٩٠) أسيراً تزيد أعمارهم عن 65 عاماً و (٧٧) أسيراً من الفتيان تقل أعمارهم عن الخامسة عشرة وأقل من ذلك".

وأكد على صحة هذه الوقائع أيضاً مندوب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في فلسطين "إميل مويري" بتاريخ 22 كانون الثاني ١٩٤٩م، حيث قال: "إنه لمن المؤلم أن نرى هؤلاء الناس الفقراء، وخاصة المسنين، الذين تم اختطافهم من قراهم ووضعهم في معسكرات بلا مبرر وإجبارهم على قضاء فصل الشتاء في خيم مبللة، بعيداً عن عائلاتهم، ومن لم يستطع الاستمرار في هذه الظروف مات داخل المعسكرات، وتم العثور على أطفال صغار تتراوح أعمارهم ما بين ١٠-١٢عاماً".

بسبب ذلك والقول لـ "إميل مويري" طلبنا من السلطات اليهودية الإفراج عن المدنيين الذين يعانون من المرض وبحاجة للعلاج، ووضعهم تحت رعاية أسرهم أو إرسالهم إلى المستشفى العربي، لكننا لم نتلق رداً .

كما ركز تقرير بعثة منظمة الصليب الأحمر على غياب الأرقام الدقيقة عن عدد المدنيين الفلسطينيين المحتجزين لدى إسرائيل خلال حرب ١٩٤٨- ١٩٤٩م، وقد غابت المعسكرات (غير الرسمية) عن أغلب التقديرات، بالإضافة إلى النقل المستمر للأسرى بين معسكرات الاعتقال.

ووفقاً للسجلات الإسرائيلية فإن عدد الأسرى لم يتجاوز الخمسة آلاف أسير، لكنه في حقيقة الأمر تجاوز حاجز 13000 أسيراً، وقد اقترب من هذا الرقم "ديفيد بن جوريون" أول رئيس وزراء إسرائيلي في حديثه المؤرخ في 17 تشرين الثاني 1948م حول هذا الأمر حيث قال: "يوجد لدينا تسعة آلاف أسير حرب في معسكرات تديرها إسرائيل".

الإجراءات المطلوبة

1- حصر أسماء الأسرى الفلسطينيين والعرب، ويمكن ذلك بعد الحصول على نسخة من أرشيف جيش الاحتلال الإسرائيلي الموجود في وزارة الحرب الإسرائيلية في تل أبيب، وهي محفوظة ضمن الملفات التالية:

(1145/224- 3/7/1949) والملف (109/1860/1950) والملف رقم (66/67/1951) والملف رقم (112/1551/1951) والملف رقم (34/67/1951) والملف رقم (31/67/1951)، ويوجد في هذه الملفات قوائم دقيقة أعدت من قبل قادة تلك المعسكرات الاعتقال، بأسماء الأسرى الذين كان يتم إجبارهم على العمل.

2- المباشرة بإثارة الموضوع إعلامياً، كمقدمة لتشكيل لجنة وطنية مختصة لبناء هذا الملف.

3- التوجه لمنظمة الصليب الأحمر في جنيف للحصول على كشوف أضافية بأسماء الأسرى، لأن موظفوها زاروا (الأسرى العمال) في أماكن عملهم في غير مرة ووثقوا العديد من المشاهدات والأسماء.

5- أخيراً وضع هذا الملف في عهدة المستوى السياسي الفلسطيني، جاهزاً للعرض أمام جهات الاختصاص الدولية، والتي يحددها فقهاء القانون الفلسطينيين.

ملاحظات

من خلال التمعن والبحث في المقابلات التي أجراها د. مصطفى كبها مع الأسرى الأحياء ممن عاصروا تلك الفترة يمكن أخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار.

أ- أسرى لم يحصلوا على قرش واحد جراء عملهم داخل الأسر لغاية الآن ويشكلون ما نسبته 80% من مجموع الأسرى.

ب- أسرى حصلوا على جزء من مستحقاتهم وهم داخل الأسر بمعدل 70 مل لليوم الواحد وتقدر نسبتهم بـ  7%.

ت- أسرى حصلوا على مستحقاتهم بعد تحررهم من الأسر وتقدر نسبتهم بـ 13% من عديد الأسرى الذين تعرضوا لعملية التشغيل بنظام السخرة ويقدر عددهم بـ 7000 أسير.

ث- أجرة الأسير المقرة وفقاً لما تقاضاه الأسرى الذين قبضوا أجورهم هو 70 مل فلسطيني يومياً.

ج- معدل صرف الجنيه الفلسطيني مقابل الليرة الإسرائيلية زمنذاك هو 3 ليرات إسرائيلية للجنية الواحد. (دنيا الوطن)


يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق